قال : ثم دخلت زبيد إلى أهلي وأولادي فوجدتهم في خير من اللّه تعالى ، فقالوا لي :
أنفذت إلينا بكذا وكذا استنفقناه ، ثم أنفذت إلينا بكذا وكذا استنفقناه ، ثم قالوا : نحن في خير وعلى خير .
قال : وكانوا يحبون مغيبي عنهم لما يرد عليهم من الدنيا . فقلت : اجعلوني في حل لأجل غيبتي عنكم . فقالوا : أنت في حلّ وسعة .
قال : ثم خرجت إلى الجبل في زيارة الفقيه علي بن الحداد فأفادني كلمة ، ثم نزلت إلى الفقيه إبراهيم الفشلي فوقفت معه أياما يسيرة ثم خرجت إلى السبخة « 1 » بالساحل بين السحاري « 2 » والمتينة « 3 » فقعدت فيها سنة كاملة لا أعرف فيها أحدا ولا أرى فيها شخصا ولا رأيت وحشا ولا شيطانا ثم عدت إلى أهلي بعد سنة كاملة فوجدتهم في خير من اللّه تعالى مكتسين شباعا ، فقعدت عندهم مدة يسيرة .
ثم خرجت مرة أخرى أدور في السواحل والجبال والأودية والقرى لا أعرف مستقرا قط فكان ترددي إلى عند الشيخ إبراهيم الفشلي كان يستخدمني ، وإذا جئته طردني ويقول :
ارجع ما أتى بك إليّ ، ارجع لا رغبة لي فيك . فأقعد أبكي فيرضى عني ويقول لي : تعال فيأمرني أن أحش وأحتطب وأعمل له كل عمل وهو ينهرني وكان يراعيني كثيرا في الباطن فكنت أحبه لذلك .
هامش
( 1 ) السبخة : أرض ذات ملح ونزّ ، تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر . انظر : ابن منظور ، لسان العرب ، مادة سبخ ، 4 / 1918 .
( 2 ) السحاري : بلدة ومزارع نخيل على شاطئ البحر الأحمر ، غرب مدينة حيس . انظر : المقحفي ، معجم البلدان ، 1 / 772 .
( 3 ) المتينة : بضم الميم وفتح التاء . قرية في وادي زبيد على ساحل البحر الأحمر . انظر : المقحفي ، معجم البلدان ، 2 / 1400 .