فمررت يوما بقارئ يقرأ كتابا فسمعته يروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ( أن من أكل من الحرام لم يتقبل اللّه له عملا أربعين ليلة ) .
فقلت يا رب وعزتك لا أكلت طعام فلان ، ولا من أجرتي منه فأطعمني من حيث شئت ، فأقمت ثلاثة أيام لا أكل شيئا وأنا على أورادي وكان في المسجد شيخ وشاب فسألني الشاب عن اسمي فقلت ، عبد اللّه : فقال : ابن من ؟ فقلت : ابن عبد الرحمن ، فقال : وما تريد ؟ فقلت : وجه اللّه ، فبان لي منه الضجر فلم ألتفت إليه والشيخ ينظر إلينا ويتبسم ، ثم قام الشيخ إلى محراب المسجد فأتى بثلاثة أقراص فناول كل واحد منا قرصا وأمسك لنفسه قرصا وأكله فمكثنا على هذا نحوا من ستة أيام وهما في المسجد . فبينما أنا نائم في ليلة من الليالي إذ سمعت مناديا ينادي : يا صياد أنت تريدنا ؟ فقلت : نعم .
فقال : انقطع إلينا في المفازات فتركت الأهل والأولاد وكنت قد سمعت بالشيخ إبراهيم الفشلي والشيخ علي الحداد « 1 » رضي اللّه عنهما ، وكانا في مسجد معاذ « 2 » فجئت إليهما وسلمت عليهما وقلت لهما : قد وهبت نفسي لكما فاستخدماني فيما شئتما ودلاني على الطريق .
فقالا : لا رغبة لنا في صحبتك ، فخرجت وأنا منكسر القلب فجئت مسجد الفازة « 3 » فقعدت فيه فلما كان وقت العشاء أتياني وقالا لي : يا صياد قم قد قبلناك . فقلت :
لا أريد كما ، فقالا : قد قبلنا صحبتك وإخوتك ونحن نخدمك ، فقلت : بل أنا أخدمكما فمراني
هامش
( 1 ) هو علي بن عبد الرحمن الحداد ، من رجالات التصوف ، لم تشر المصادر إلى تاريخ وفاته . انظر : الشرجي ، طبقات الخواص ، 204 .
( 2 ) مسجد معاذ : هو مسجد ينسب إلى الصحابي معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، ويقع في رأس وادي زبيد . انظر :
الحضرمي ، زبيد مساجدها ومدارسها ، 88 .
( 3 ) مسجد الفازة نسبة إلى مرسى الفازة على ساحل البحر الأحمر ، جنوب غربي زبيد . انظر : الحضري ، زبيد مساجدها ومدارسها ، 88 ؛ المقحفي ، معجم البلدان ، 2 / 1201 .