جمال الدّين ابن الحاجب ، فتلقّاه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب صاحب مصر وأكرمه واحترمه ، واتّفق موت قاضي القاهرة شرف الدّين ابن عين الدّولة ، فولّى السّلطان مكانه القاضي بدر السّنجاري ، وفوّض قضاء مصر والوجه القبلي إلى الشّيخ عزّ الدّين مع خطابة جامع مصر ، فقام بالمنصب أتمّ قيام ، وتمكّن من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، حتّى اتّفق أنّ بعض الأمراء ابتنى مكانا للسّلخانات على سطح مسجد ، فأنكر ذلك الشّيخ عزّ الدّين ، وذهب بنفسه فأخربه وعلم أنّ هذا يشقّ على الوزير فحكم بفسق الوزير وعزل نفسه عن القضاء ، فلمّا بلغ ذلك حاشية الملك شقّ عليهم وأشاروا على الملك أن يعزله عن الخطابة لئلّا يتعرّض لسبّ الملك على المنبر فعزله ولزم بيته يشتغل ويدرّس ؛ وذكروا أنّه لمّا مرض مرض الموت بعث إليه الملك الظّاهر يقول له : من في أولادك يصلح لوظائفك ؟
فأرسل : ليس فيهم من يصلح لشيء منها فأعجب ذلك السّلطان ، وهكذا لمّا مات حضر جنازته بنفسه والعالم من الخاصّة والعامّة وكان يوما مشهودا ، وكان ذلك في العاشر من جمادى الأولى سنة ستّين وستّمائة .
قلت : له تفسير حسن في مجلّدين ، واختصار النّهاية وليس هو كإمامته ، والقواعد الكبرى ، وتدلّ على فضيلة تامّة ، والكلام على الأسماء الحسنى مفيد ، وكتاب الصّلاة فيه اختيارات كثيرة اتّباعا للحديث ، والقواعد الصّغرى ، وفتاوى كثيرة ، وغير ذلك من العلوم « 23 » .
ورأيت بخطّ القاضي علاء الدّين القونوي أنّ الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام سئل عن الرّجل بماذا يستحقّ الجامكيّة في مذهب الشّافعي ، أعلى اعتقاده المذهب أم على معرفته له ؟ ، فأفتى أنّه يستحقّ ذلك على معرفته له ونشره إيّاه وإن كان لا يعتقد بعض المسائل أو كما قال .
وقال الشّيخ قطب الدّين اليونيني « 24 » : كان مع شدّته فيه حسن مناظرة بالنّوادر والأشعار ، وكان يحضر السّماع ويرقص ويتواجد ، هكذا قال . وذكر الشّيخ تاج الدّين ابن أنجب « 25 » في كتاب طبقات الفقهاء من فائت الطّبقة الرّابعة فقال : فيه حسن محاضرة .
هامش
( 23 ) هديّة 1 / 580 .
( 24 ) ذيل مرآة الزّمان 1 / 505 .
( 25 ) هو علي بن أنجب السّاعي تاج الدّين المتوفّي سنة 674 ه .