قلت : أعاد في النّظاميّة في حدود سنة سبعين وخمسمائة ، ثمّ انحدر إلى الموصل ، ودرّس بمدرسة الكمال الشّهرزوري ، ثمّ حجّ سنة ثلاث وثمانين ، وعاد على طريق الشّام فزار بيت المقدس ، وبعث إليه الملك صلاح الدّين فحضر عنده ، واشتدّ إكرام صلاح الدّين له ، وقرأ عليه شيئا من الحديث بنفسه ، وصنّف له القاضي بهاء الدّين كتابا في فضيلة الجهاد ، فحظي عند الملك ، وولّاه قضاء العسكر مع قضاء بيت المقدس ، ولم يزل ملازما للسّلطان إلى أن توفّي وهو عنده ، وصار الملك إلى ولده الظّاهر بحلب فاستدعاه إليها وولّاه قضاءها ونظر أوقافها ، وأجزل رزقه وأعطاه وأقطعه أرضا تغلّ شيئا جزيلا ، ولم يكن له نسل ولا قرابة ، فكان ما يحصل عليه يتوفّر عنده ، فبنى به مدرسة وإلى جانبها دار حديث وبينهما تربة له ؛ وقصده الطّلبة للدّين والدّنيا ، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته .
وصنّف من الكتب « 54 » : دلائل الأحكام في مجلّدين ، والموجز الباهر في الفقه ، وكتاب ملجأ الحكّام في الأقضية في مجلّدين ، وكتاب سيرة صلاح الدّين أجاد فيه وأفاد .
وممّن أخذ عنه واشتغل عليه ولازمه قاضي القضاة شمس الدّين ابن خلّكان رحمه اللّه تعالى ، وقد طوّل ترجمته في وفيات الأعيان « 55 » ، وذكر أنّ صاحب إربل كتب إلى ابن شدّاد كتابا بالتّوصية به وبأخيه ، فأكرمهما حسب الإمكان .
وحكى عنه القاضي ابن خلّكان قال : لمّا كنّا بالنّظاميّة اجتمع أربعة من الفقهاء أو خمسة على شرب حبّ البلاذر ، فاستعملوا منه قدرا وصفه لهم الطّبيب فجنّوا وتمزّقوا وخرجوا على وجوههم ، فلمّا كان بعد أيّام إذا أحدهم قد جاء وهو عريان مكشوف العورة وعليه بقيار كبير وعذبة طويلة تضرب إلى كعبيه ، فاجتمع عليه الفقهاء يسألونه كيف الحال ، فقال : لا شيء ، إلّا أنّ أصحابي شربوا البلاذر فجنّوا ، وأمّا أنا فلم يصبني شيء ، وهم مصمم ، وهم يضحكون منه .
قال القاضي ابن خلّكان : ولم يزل أمره منتظما في ولايته ونفوذ تصرّفاته إلى أن راح في الرسليّة إلى مصر لإحضار ابنة الكامل لزوجها العزيز ، فرجع وقد
هامش
( 54 ) هديّة 2 / 553 .
( 55 ) وفيات 7 / 84 .