أرمينيّة ، ولهذا لقّب شاه أرمن وهو علم لكلّ من يملكها ، ثمّ تملّك دمشق وصار إليها في سنة ستّ وعشرين وستّمائة ، أخذها من ابن أخيه النّاصر داود بن المعظّم فأحسن إلى أهلها ، ووقف الأوقاف الكثيرة ، من ذلك جامع التّوبة « 43 » بالعقيبة ، كان حانة وخمّارة ودار قمار فهدّها وبناها جامعا حسنا يذكر فيه اسم اللّه تعالى ويعبد ويوحّد فيه ، وجعل خطابته للشّافعيّة ، وبنى جامع جراح « 44 » وجعله للشّافعيّة ، وجامع المزّي جدّده ، وكذا مسجد أبي الدّرداء بالقلعة المنصورة ، وكذا مسجد باب النّصر ، وجامع بيت الأبّار ، وبنى دار الحديث الأشرفيّة المشهورة وجعل تدريسها للشّافعيّة ، فكان أوّل من وليها الشّيخ الإمام العلّامة أبو عمرو ابن الصّلاح رحمه اللّه تعالى ، وبنى للحنابلة دار حديث بالسّفح ، ووقف على الضّيائيّة شرق الجامع المظفّري .
وكان فيه برّ ووقار وإحسان إلى العلماء وحسن ظنّ بالفقراء ، كريما عفيفا سعيدا مليح الشّكل ، لم تكسر له راية قطّ ، حرّ الذيل طاهر الأخلاق شهما شجاعا ، لكنّه كان يكثر من شرب الخمر سامحه اللّه ، وكان سوق الشّعراء عنده أيضا في نفاق ، وكان باب القلعة لا يغلق في رمضان ، ويخرج منها صحون الحلوى إلى أماكن الفقراء ، وكان ذكيّا فطنا يشارك في أشياء بذهنه ، وكانت له دار السّعادة داخل باب النّصر ، والدّهشة بالنيرب ، وصفه بقراط . وقد سمع صحيح البخاري عنده داخل القلعة على الزّبيدي وهو الذي استدعاه من بغداد إلى دمشق وأحسن إليه وأكرم مورده ومصدره ، وترجمته يطول استقصاؤها .
مرض سامحه اللّه تعالى في رجب مرضتين مختلفتين ، دماميل في رأسه وبواسير في مقعده ، وتزايد به ذلك حتّى كان الجرّاح يخرج بعض عظامه من رأسه ، وهو يحمد اللّه ويسبّحه ، وطالت علّته إلى المحرّم ، وتصدّق في مرضه بأشياء كثيرة ، وعتق مائتي مملوك ومائتي جاريّة ، ولمّا يئس من نفسه قال لوزيره ابن جرير : في أيّ شيء تكفنونني ؟ ، فما بقي لي قوّة تحملني أكثر من غد فقال :
عندنا في الخزانة نصافي فقال : حاشا للّه أن أكفن من الخزانة ، ثمّ نظر إلى ابن موسى الوزير وقال : قم ، فاحضر وديعتي فقام وعاد وعلى رأسه مئزر صوف ففتحه
هامش
( 43 ) معجم البلدان 2 / 381 .
( 44 ) منادمة 370 ، بناه سنة 632 ه ، وكان محلّه يعرف بخان الزّنجاري .