وكان القاضي زكيّ الدّين يحبّ أهل الخير ويزور الصّالحين ، وكان الملك المعظّم صاحب دمشق يبغضه ، ولكن كان يحترمه لأجل والده السّلطان الملك العادل . فلمّا توفّي السّلطان قدم عليه ، وكان في نفسه منه أشياء ، ولمّا مرضت الخاتون ستّ الشّام عمّة المعظّم بعثت إلى القاضي ابن الزّكي وشهوده فأوصت إليه وأشهدت عليها أنّ دارها مدرسة ، فبلغ ذلك المعظّم فتغيّر عليه وقال : يحضر إلى دار عمّتي بغير إذني ويسمع كلامها ، ثمّ نقم عليه السّلطان في قضيّة جابي العزيزيّة « 8 » لمّا استقرّ بين يديه بالمقارع ، وبعث إليه بخلعة صفراء وكلوته « 9 » ، وبعث يقول له : إنّ الخليفة إذا أحبّ أحدا بعث إليه من ملابسه ، ونحن قد بعثنا إليك من ملابسنا ، وألزمه أن يلبسها في مجلس الحكم فبادر فلبسها ، وحكم بين اثنين ، ودخل منزله فمرض ومات ، ويقال : إنّه رمى قطعا من كبده ، وتأسّف النّاس لما جرى عليه ، ويقال إنّ المعظّم ندم على ما كان منه إليه ، واتّفق أنّ الشّرف ابن عنين حدث له تزهّد وتوبة ، ولزم مكانا ينقطع فيه ، فبعث إليه المعظّم خمرا ونردا وقال : سبّح بهذا ، فكتب إليه ابن عنين « 10 » :
يا أيّها الملك المعظّم سنّة * أحدثتها تبقى على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها * خلع القضاة وتحفة الزهّاد
وكانت وفاة القاضي الزّكي في الثّالث والعشرين من صفر سنة سبع عشرة وستّمائة .
800 ) عبد اللّه « 11 » بن عمر بن عبد اللّه ، جمال الدّين أبو محمّد الدّمشقي « 12 » .
الشّافعي ، قاضي اليمن .
هامش
( 8 ) السّبكي ، وفيه : ثمّ اتّفق أنّ القاضي أحضر جابي العزيزيّة وطالبه بالحساب ، فأغلظ الجابي في الجواب فأمر بضربه ، فضرب بين يديه كما يفعل أهل الولاية .
( 9 ) نوع من الثّياب المزركشة ، عرف في العهد التّركي .
( 10 ) هو محمّد بن نصر بن مكارم .
( 11 ) السّبكي 8 / 158 ، والتّكملة 3 / 96 ، والمقفّى 4 / 635 .
( 12 ) السّبكي ، وفيه : ابن الدّمشقي .