تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشافعية — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
يتبعونه طرفا ينثرونه على محفّته ، وخرج الخبّازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم ويدفعهم من حواليه ولا ينتهون ، وخرج من بعدهم أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم وفعلوا كفعلهم ، ولمّا بلغت النّوبة إلى الأساكفة خرجوا وقد عملوا مداسات لطيفة للصّغار وينثرونها ، فجعلت تقع على رؤوس النّاس ، والشّيخ أبو إسحاق يتعجّب ، فلمّا انتهوا بدأ يداعبنا ويقول : رأيتم النثار ما أحسنهم ؟ أيّ شيء وصل إليكم منه ، فنقول لعلمنا أنّ ذلك يعجبه : يا سيدي وأنت أيّ شيء كان حظّك منه ؟ فيقول : أنا غطّيت رأسي بالمحفّة ، قال : وخرج إلينا المتعبّدات ومعهنّ الشّيخ فجعلن يلقين سبحهنّ إلى محفّته ليلمسهنّ بيده لتحصل لهنّ البركة فجعل يموّهن على يديه ويتبرّك بهنّ ، ويقصد في حقّهنّ ما قصدن في حقّه . وقال شيرويه الديلمي في تاريخ همذان : أبو إسحاق الشّيرازي إمام عصره وقدم علينا رسولا من أمير المؤمنين إلى السّلطان ملكشاه ، سمعت منه ببغداد وهمذان ، وكان ثقة فقيها زاهدا في الدّنيا على التّحقيق ، أوحد زمانه . قلت : وقد اجتمع في رحلته هذه بإمام الحرمين لمّا ورد نيسابور كما تقدّم ، وحمل الغاشية بين يدي الشّيخ وقال : أنا أفتخر بهذا ، ويقال : إنّهما تناظرا ، فعلا الشّيخ أبو إسحاق بالحجّة لاقتداره على طريقة الجدل والبحث ، هذا مع اتّساع إمام الحرمين في العلم والفصاحة والخطابة والتّحصيل . وكان الفقيه أبو الحسن محمّد بن عبد الملك الهمذاني حكى إليّ قال : حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي قبل سنة أربعين يعني وأربعمائة ، فتكلّم الشّيخ أبو إسحاق فأجاد ، فلمّا خرجنا قال الماوردي : ما رأيت كأبي إسحاق ، لو رآه الشّافعي لتجمّل به . وقال الإمام أبو بكر الشّاشي مصنّف المستظهري وهو تلميذ الشّيخ أبي إسحاق : شيخنا أبو إسحاق حجّة اللّه على أئمّة العصر . وقال الموفّق الحنفي : الشّيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء . وقال الحافظ أبو طاهر السّلفي : سألت شجاعا الذّهلي عن أبي إسحاق فقال : إمام أصحاب الشّافعي والمقدّم عليهم في وقته ببغداد ، وكان ثقة ورعا صالحا عالما بمعرفة الخلاف علما لا يشاركه فيه أحد . وقال الحافظ أبو سعد السّمعاني : أخبرنا أبو القاسم حيدر بن محمود
طبقات الشافعية — صفحة 435 | ابن كثير