تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشافعية — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
فقيرا ، ولكن لو أراد لحملوه على الأعناق ، والدّامغي لو أراد الحجّ على السّندس والإستبرق لأمكنه . قلت : أمّا فقر الشّيخ فعذر واضح له في ترك الحجّ ، فإنّه كان متقلّلا من الدّنيا من مبتداه إلى آخر عمره رحمه اللّه ، فقد حكي عنه أنّه قال : كنت أشتهي ثريد الباقلّا أيّام اشتغالي ، فما صحّ لي أكله لاشتغالي بالدّرس وأخذي النّوبة . وذكر السّمعاني قال : قال أصحابنا ببغداد : كان الشّيخ أبو إسحاق إذا بقي مدّة لا يأكل شيئا صعد إلى النصريّة « 2 » وله فيها صديق وكان يثرد له رغيفا ويشربه ماء الباقلّا ، فربّما صعد إليه وقد فرغ ، فيقول الشّيخ أبو إسحاق :
تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ .
وقال الفقيه أبو بكر الطرطوشي المالكي : أخبرني أبو العبّاس الجرجاني القاضي بالبصرة قال : كان الشّيخ أبو إسحاق لا يملك شيئا من الدّنيا ، فبلغ به الفقر حتّى لا يجد قوتا ولا ملبسا ، ولقد كنّا نأتيه وهو ساكن في القطيعة فيقوم لنا نصف قومة كي لا يظهر منه شيء من العري ؛ وكنت أمشي معه فتعلق به باقلاني فقال : يا شيخ أفقرتني وكسرتني وأكلت رأس مالي ، ادفع إليّ ما عندك ، فقلنا : وكم لك عنده ؟ قال : أظنّه حبّتين ذهبا ، أو حبّتين ونصف . وذكر الحافظ أبو عبد اللّه الذّهبي أنّه قرأ بخطّ ابن الأنماطي أنّه وجد بخطّ : قال أبو علي الحسن بن أحمد الكرماني الصّوفي الذي غسل الشّيخ أبا إسحاق أنّه سمعه يقول : ولدت سنة تسعين وثلاثمائة ، ودخلت بغداد سنة ثمان عشرة وأربعمائة ، ومات ولم يترك درهما ولا عليه درهم ، وكذلك كان يقضي عمره . قلت : هذا ، وقد نال من رئاسة العلم مبلغا كبيرا ، وعظّم تعظيما زائدا ، وهو أوّل من درّس في المدرسة النّظاميّة ببغداد بعد أن درّس بها ابن الصبّاغ نحوا من عشرين يوما ، وذلك أنّه لمّا كملت ، وقد رسم أن يدرّس بها الشّيخ أبو إسحاق واجتمع النّاس بها ، خرج للدّرس فلقيه شهاب الدّين فقال : يا شيخ ، كيف يحلّ لك أن تدرّس بمدرسة مغصوبة ؟ فذهب وتغيّب ، فلمّا تعذّر حصوله أحضر الإمام أبو نصر ابن الصبّاغ فدرّس بها ، فلمّا وصل الخبر إلى نظام الملك أبى ذلك ، وأمر
هامش
( 2 ) معجم البلدان 5 / 287 محلّة بالجانب الغربي من بغداد متّصلة بدار القزّ .
طبقات الشافعية — صفحة 433 | ابن كثير