تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وقع المصاف ، والتحم الحرب ، فحمل التتار على الميمنة من المسلمين فكسروها ، وقتل مقدّمها الحسام أستادار ومعه جماعة من الأمراء المقدمين ، وثبت السلطان ذلك اليوم ثباتا زائدا عن الحد ، واستمر القتال من العصر إلى الليل ، وردّ التتار من حملتهم على الميمنة بغلس ، وقد كلّ حدّهم ، فتعلّقوا بالجبل المانع . وطلع الضوء بكرة يوم الأحد ، والمسلمون محدقون بالتتار ، فلم يكن ضحوة من النهار ، إلا وقد ركن التتار إلى الفرار وولّوا الأدبار ، ونزل النصر ، ودقّت البشائر ، وزيّن البلد ، وكان التتار نحوا من خمسين ألفا ، وعليهم خطلوا شاه نائب غازان ، ورجع غازان من حلب ضيّق الصّدر من كسر أصحابه يوم عرض ، وبهذه الكسرة سقطت قواه ؛ لأنه لم يعد إليه من أصحابه غير الثلث ، وتخطّفهم أهل الحصون ، وساق سلار وقبجق وراء المنهزمين إلى القريتين ، ولم ينكسر التتار هذه المرة . حكى لي جماعة من دير بشير ، أنهم كانوا يأتون إلينا عشرين عشرين وأكثر وأقل ، ويطلبون أن نعدّي بهم الفرات في الزواريق إلى ذلك البر ، فما نعدّي بمركب إلا ونقتل كلّ من كان فيه ، حتى إن النساء كنّ يضربن بالفئوس ، ونحن نذبحهم في إثر ذلك ، فما تركنا أحدا منهم يعيش . وهذه الواقعة إلى الآن في قلوبهم ، وكان قد جاء كتاب غازان يقول فيه : ما جئنا هذه المرة إلا : ( الكامل ) .
قولوا لغازان بأنّ جيوشه * جاءوا ففرّجناهم بالشّام في سرحة المرج الّتي هاماتهم * منشورها وشقائق الأجسام ما كان أشأمها عليهم فرجة * غمّت وأبركها على الإسلام
وقال لما انهزم : ( الوافر ) .
أتى غازان عدوا في جنود * على أخذ البلاد غدوا حراصا فما كسبوا سوى قتل وأسر * وأعطوه بحصّته حصاصا
وقد نظم الناس في هذه الواقعة كثيرا ، ومن أحسن ما وقفت عليه قول شمس الدين الطيبي - رحمه اللّه تعالى - وهو يقارب المائة بيت ، وهذا الذي وقع لي منها ، وهو : ( البسيط ) .
برق الصّوارم للأبصار يختطف * والنّقع يحكي سحابا بالدّما يكف أحلى وأعلى وأغلى قيمة وسنا * من ريق ثغر الغواني حين يرتشف