غزة ، وأقام في قلعة دمشق تسعة أيام ، وعدّى التتار الفرات ، فخرج السلطان ، وساق إلى حمص ، وركب بكرة الأربعاء في السابع عشر من الشهر المذكور ، وساق إلى وادي الخزندار ، وكانت الوقعة ، والتحم الحرب واستحرّ القتل ، ولاحت إمارات النصر للمسلمين ، وثبتوا إلى العصر ، وثبت السلطان والخاصكية ثباتا كليا ، فانكسرت ميمنة المسلمين ، وجاءهم ما لا قبل لهم به ؛ لأن الجيش لم يكن بكامل يومئذ ، وكان جيش الإسلام بضعة وعشرين ألفا ، وكان جيش التتار يقارب المائة ألف فيما قيل ، وشرع المسلمون في الهزيمة ، وأخذ الأمراء السلطان وتحيّزوا به ، وحموا ظهورهم ، وساروا على درب بعلبك والبقاع وبعض العسكر المكسور ، دخل إلى دمشق ، واستشهد جماعة من الأمراء ، وخطب بدمشق للملك المظفر غازان محمود ، ورفع في ألقابه ، وتولى قبجق النيابة عن التتار ، وملك غازان دمشق خلا القلعة ، فإن قبجق في الباطن لاحظ أميرها مع أرجواش ، وأبان أرجواش عن همة عظيمة في حفظها - على ما تقدّم ترجمته - ، وجبى التتار الأموال من الدماشقة وقيل :
إن الذي حمل إلى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف ألف وست مائة ألف درهم والذي أطلقه لمقدّمي المغل نحو آلات على الناس بوصولات ، وأخذوا أكثر مما كتب لهم ، فهو أكثر من ذلك .
وأخذ شيخ الشيوخ لنفسه مبلغ ستمائة ألف درهم ، وأخذ قبجق أكثر من ذلك ، وأخذ يحيى وإسماعيل أكثر من ذلك ، وعزم الناس أكثر من ذلك ، وجبوا على الرؤوس أكثر من ذلك ، وجبوا على البيوت أكثر من ذلك ، وجبوا على الأوقاف أكثر من ذلك ، وأخذوا جميع ما وجدوه من الخيل والبغال والجمال والدواب ، وأحرقوا جامع التوبة بالعقيبة ، وجميع ما حول البلد ، وخيار منتزهاتها وأجود عماراتها مثل الدهشة ، وصفّة أبقراط العافية ، وناصرية الجبل ، وبيمارستان الصالحية ، وترب كثيرة ، وغالب الجواسق التي بالبساتين ، وغالب ما حول القلعة ، وأما شبابيك الصالحية وما قدروا عليه من الرخام ، فإنهم أخذوه وأفسدوه ، وقتلوا من أهل الصالحية أربعة آلاف نفس ، وأسروا ما شاء اللّه ، وأما الذي قتلوه من الضياع البرّانية وأسروه ، فشئ لا يعلمه إلا اللّه - تعالى - ، وكانوا إذا قرروا على الإنسان عشرة آلاف درهم ينوبه ترسيم للمغل ألفان ، ولم يزل وجيه الدين بن المنجّى يجبي من الناس ، إلى أن كمّل المبلغ ، وحمله إلى غازان ، وجملته ما تقدّم ذكره ، وأقام غازان بالغوطة نازلا إلى الثاني عشر من جمادى الأولى ، ورحل طالبا بلاده ، وخلّف نائبه خطلو شاه بالقصير في فرقة من المغل .
وفي شهر رجب جمع قبجق الأعيان والقضاة إلى داره ، وحلّفهم للدولة الغازانية بالنّصح وعدم المداجاة ، ثم إن قبجق توجّه هو والصّاحب عزّ الدين بن القلانسي إلى
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 49
مساهمون: خليل الصفدي
ص٤٩