وفرح الناس بذلك ، ودقّت البشائر .
ولم يزل مستمرا في الملك إلى الحادي عشر من المحرّم سنة أربع وتسعين وست مائة ، فتسلطن كتبغا وتسمّى بالعادل وحلف له الأمراء بمصر والشام ودقت البشائر وزينت البلاد وجعل أتابكه الأمير حسام الدين لاجين وتولى الوزارة الصّاحب فخر الدين بن الخليلي وصرف تاج الدين بن حنّا وحصل الغلاء الزائد المفرط في أيامه حتى بلغ الإردب بمصر إلى مائة وعشرين ، ورطل اللحم بالدمشقي إلى سبعة دراهم ، ورطل اللبن بدرهمين ، والبيض ستا بدرهم ، ورطل الزيت بثمانية ولم يكن الشام مرخصا ، وتوقفت الأمطار وفزع الناس ، وذلك في سنة خمس وتسعين وست مائة . وتبع ذلك وباء عظيم وفناء كثير ثم إن الغلاء وقع بالشام وبلغت الغرارة مائة وقد ذهب كتبغا بالعساكر إلى الشام في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ولما عاد إلى مصر من نوبة حمص في سلخ المحرّم سنة ست وتسعين وست مائة ووصل إلى اللّجون جرى له ما جرى مما تقدّم ذكره في ترجمة كتبغا وهرب كتبغا إلى دمشق ودخل لاجين بالخزائن وتسلطن بالقاهرة وتسمّى بالمنصور ولم يختلف عليه اثنان كما تقدم في ترجمة لاجين .
واستناب قراسنقر بمصر مدة ثم إنه قبض عليه واستناب منكوتمر مملوكه على ما تقدم وجعل قبجق نائب دمشق وجهز الملك الناصر إلى الكرك وقال : لو علمت أنهم يخلون الملك لك واللّه تركته ولكنهم ما يخلونه وأنا مملوكك ومملوك والدك أحفظ لك الملك فأنت تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع وترتجل وتتخرّج وتدرب الأمور وتعود إلى ملكك بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة فقال له السلطان : فاحلف لي إنك تبقي عليّ نفسي وأنا أروح ، فحلف كل منهما على ذلك ، وتوجّه السلطان ، وأقام بالكرك إلى أن قتل لاجين - على ما تقدّم في ترجمته - في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مائة ، فحلف للسلطان الملك الناصر جميع الأمراء ، وأحضروه من الكرك وملّكوه ، وهذه سلطنته الثانية ، وجعل سلّار نائبا بمصر ، وحسام الدين أستادار أتابكا .
وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة ركب السلطان بأبّهة الملك وشعار السلطنة والتقليد ، وفي عود السلطنة إلى الملك الناصر قال علاء الدين الوداعي ، ومن خطّه نقلت :
( السريع )
الملك النّاصر قد أقبلت * دولته مشرقة الشّمس
عاد إلى كرسيّه مثلما * عاد سليمان إلى الكرسي
ولم يزل بمصر إلى أن حضر غازان إلى الشام ، فخرج بالعساكر في أوائل سنة تسع وتسعين وست مائة ، ودخل دمشق في الثامن من شهر ربيع الأول بعد ما طوّل الإقامة على