تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ويستكبرون الدّهر والدّهر دونه * ويستعظمون الموت والموت خادمه
وأصبح النيل على إثر النيل ، والخصب يسير على إثر الخصب ويسيل ، ورخاء الرخاء تهبّ نسيما ، ووجه الأمن قد أسفر وسيما ، ومحيا الدّعة والسكون عليه من الإقبال طلاوة وسيما ، والغنى أصبح للناس غناء ، ولكن زيد ياء وميما ، والإنعامات تفاض ، فتخجل البحار الزّخّارة ، وبدرها إذا فضّت استحيا منها البدر ، ولم يخرج عن الدارة ، أغرق خواصّه بالجوائز ، وعمّهم بالهبات التي يتحدث بشأنها على المغازل الأبكار والعجائز ، لم نسمع لملك بمثل عطاياه ، ولا لجواد غيره بما وهب ، حتى أثقل جياده وكلّت مطاياه : ( البسيط ) .
تمشي خزائنه من جود راحته * بيداء لا ذهب فيها ولا ورق وتحسب الوفز غيما والعلا أفقا * إذا انجلى الغيم أبدى حليه الأفق
ولم يزل في سعادة ملكه ، وريح السعود تجري بها مواخر فلكه ، إلى أن هلك عنه سلطانه ، وما أغنى عنه أنصاره ولا أعوانه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة . ومولده في صفر ، أو في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وست مائة . كان والده المنصور إذ ذاك على المرقب محاصرا ، ودفن ليلة الخميس بالمنصورية ، تولّى دفنه بعد عشاء الآخرة الأمير علم الدين الجاولي « 1 » ، وكان لما قتل أخوه الأشرف خليل في العاشر من المحرم سنة ثلاث وتسعين وست مائة ، وقتل من قتل من قاتليه ، وقّع الاتفاق بعد قتلة بيدرا ، على أن يكون الملك الناصر محمّد أخو الأشرف هو السلطان ، وأن يكون زين الدين كتبغا نائبا ، وعلم الدين الشجاعي وزيره استادار واستقر ذلك ووصل إلى دمشق الأمير سيف الدين ساطلمش والأمير سيف الدين بهادر التتري على البريد في الرابع عشر من المحرم ، ومعهما كتاب عن الأشرف : أننا قد استنبنا أخانا الملك الناصر محمّدا ، وجعلناه وليّ عهدنا ، حتى إذا توجّهنا للقاء العدو يكون لنا من يخلفنا ، فحلف الناس على ذلك ، وخطب الخطيب به ، ودعا للأشرف ، ثم لولي عهده الناصر ، وكان ذلك تدبير الشجاعي . وفي ثاني يوم ورد مرسوم بالحوطة على موجود بيدرا ، ولاجين ، وقراسنقر ، وطرنطاي الساقي ، وسنقر شاه ، وبهادر رأس نوبه ، وظهر الخبر بقتل الأشرف ، واتفاق الكلمة على أخيه الناصر محمّد ، واستقلّ كتبغا نائبا ، والشجاعي مدبّر الدولة ، وقبض على جماعة من
هامش
( 1 ) أورد المصنف له ترجمة في موضعها .
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 46 | خليل الصفدي