أضحت به غزّة في عزّة فتحت * بابا لنيل المعالي غير مردود
وجاور البحر فيها مثله وربا * على عجائبه بالفضل والجود
خلائق مثل روض زهره خضل * ونسمة الصّبح فيه ذات ترديد
وطاب ريّا كما طابت أرومته * أصلا تفرّع عن آبائه الصّيد
وما تواضع إلا زاد رفعته * علوّ مجد بفرع النّجم معقود
وزان أيّامه من بعد ما عطلت * بجوهر تزدهي منه بتنضيد
فالتّاج في رأسها راقت جواهره * والشّنف في أذنها والطوق في الجيد
يا حاجبا كان عين اللّه تحرسه * من عين عاد مع المعدوم معدود
أخليت أفق دمشق من سناك فطر * فالنّجم ما بين تصويت وتصعيد
تبكي الكواكب بدرا كان يؤنسها * بنوره ثمّ أضحى تحت جلمود
أبقى بنيه رواة الجود عنه لنا * فنحن في سند فيه ابن مسعود
لا زال تسقي ثراه سحب مغفرة * تسري له في طريق غير مسدود
ولما كان الأمير بدر الدين - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس نائبا ، أهدى إلى الأمير سيف الدين أرغون شاه - وهو نائب دمشق - شيئا من القلقاس وقصب السكر والمحمّضات ، فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك وهو :
يقبّل الباسطة الشريفة العالية المولوية الأميرية الكبيرية البدرية ، لا زالت أياديها تنقل الغوارب ، وتبعث نفوس محبيها على التوسع في نيل المآرب ، وتخصّهم من تحفها بما يجمع لهم بين لذة المناظرة والمآكل والمشارب ، وينهى بعد دعاء تفسّحت له بين النجوم المضارب ، وولاء أعلامه خفّاقة الذوائب بين المشارق والمغارب ، ورود المشرف الكريم - أعلاه اللّه تعالى - قرين ما أنعم به مولانا - أعزّ اللّه أنصاره - من هدايا طرابلس المحروسة ، وتفضّل بما يتوقّ به إلى معاهدها المأنوسة ، فوقف المملوك منه على روض تدبّج ، وكافور بعنبر الليل تسبّج .
ورأى بحر فضله وهو بأمواج سطوره مدرّج ، وبهت لرصف سطوره التي كأنها نبت عذار في هامش الخدّ مخرّج ، فلثم المملوك منه موقع الاسم الكريم ، وقبّل منه خدّ كعاب وسالفة ريم ، ووصل ما أنعم به من الهدية الكريمة ، فمن قلقاس يقصّر ابن قلاقس عن نعته ، ويعجز البحتري لو أنه قواف عن نحته ، كل رأس منه يعود في طبخه كالمخّ ، وتمشي النفس إليه - وهو في رقعة الخوان - مشي الرخ ، رءوسه كرؤوس العدا المحزوزة ، غلّفتها الدماء