تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
والهضاب ، وأصابعه كأصابع العذارى إذا انغمست في الخضاب ، يتفرّى العنبر عن كافوره ، وينصدع الديجور منه بصبح بدا في سفوره ، وينزل في اللهاة لينا ونعومة وانملاسا ، ويزدرد الحلقوم لذاذة يخطفها من العيش اختلاسا ، ويكاد من نضجه يقول لطاهيه وآكله : إذا شبّها وقاسا :
وإن سألضوك عن قلبي * وما قاسى فقل قاسى
ومن قصب سكر كل عود له دونه غصن البان ، وصفرة استعارها من العاشق إذا صدّ عنه الحبيب أو بان ، وحلاوة ذوق لولاها لما شبّهه إلا بالمرّان ، ومائية كريق الحبيب الذي ردّ الردى ، وصدّ الصدى عن القلب الحرّان ، فشكرا لجزرات الهند وما أهدت منه لأرض العجم والعرب ، وعجبا للونه وطعمه ووصفه ، فما يدرى هل هو قصب ذهب ، أو قصب ضرب ، أو قصب طرب ، وبخ بخ لجرعه التي تمر بالحلق والازدراد نائم لم يتنبّه ، وزاه زاه لحالاته المتناقضة ، فإن حزّه كحزّ رقاب العدا ، ومصّه كمصّ شفاه الأحبّة ، ومن أترج أصفر وكبّاد أحمر ، هذا لونه لون الوجل ، وهذا له حمرة الخدّ الخجل ، هذا تحرّج متضرّج ، وهذاك تهيّج وما تدبّج ، لا تنهض بأوصافهما قوائم المسودات والمبيّضات ، ولا يقرب منهما الفواكه الحلوة ؛ لأنها تقول : ما لنا وللدخول في هذه المحمّضات ، فاللّه يشكر هذه الأيادي التي جادت له بالبستان والقصر ، ومتّعته وهو في الشام بالمحاسن التي ادّكر بها أوقات مصر بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . وكان الأمير بدر الدين - رحمه اللّه تعالى - قد جهّز إليّ من طرابلس ثوب صوف أزرق مربّعا في غاية الحسن قرين كتاب منه ، فكتبت أنا الجواب إليه أشكر إحسانه وهو : يقبّل الأرض ، وينهى ورود المرسوم الكريم - أعلاه تعالى - ، فوقف المملوك له قائما ، وقبّل شفة عنوانه اللعساء لاثما ، وتوهّم أن هذا طيف خيال من فرحه ، وأنه كان حالما ، ووضعه على رأسه وعينيه وفضّه ، فقبّل الأرض ، وكرر ذلك كأن مولانا - أعزه اللّه تعالى - حاضر والمملوك بين يديه ، ورآه متوّجا بالاسم الكريم ، فعلم أن طالعه مسعود وفاح أرجه ، فقال : هذا إما لطخ عنبر ، أو مس عود ، ونزّه ناظره في تلك الحديقة التي تجدولت بالسطور ، وتطوّلت ببياض طرسها وسواد نقشها ، فقصر عنها كافور النهار ، ومسك الديجور ، وعلم أن كاتبها - حرسه اللّه تعالى - قد تأنّى فيها وتأنق ، ودبّجها بأنواع المنثور ، فقابل المملوك ما فيها من الجبر والصدقة بدعاء يرفعه ، والملائكة بين سرادق العرش تضعه ، واللّه الكريم لعلمه بإخلاصه يستجيب له لما يسمعه ، فإن المملوك ما توهّم أن العبد يرعى له المولى حقوقه ، ولا أن المملوك يجري بين أيديهم ذكر السوقة ، ووصل ما تصدّق به مولانا ملك الأمراء - أعز اللّه أنصاره - من الصوف الأزرق المربّع :