تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أوائل حرب ابني وائل « 1 » ، لم يكن للوجيه وجاهة ، ولا للنعامة نباهه ، وكان ترك إعارة سكاب لوما ، وتحريم بيعها سفاهة يركض ما وجد أرضا ، وإذا اعترض به راكبه بحرا وثب عرضا . ومن كميت نهد ، كأنّ راكبه في مهد عندميّ الإهاب ، يزلّ الغلام الخف عن صهواته ، وكأن نغم الغريض ومعبد في لهواته ، قصير المطا ، فسيح الخطا ، إن ركب لصيد قيّد الأوابد ، وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد ، وإن جنب إلى حرب لم يزور من وقع القنا بلبانه ، ولم يشك لو علم الكلام بلسانه ، ولم ير دون بلوغ الغاية ، وهو في عرض راكبه ثانيا من عنانه ، وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل ، وأن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحطّ في مجاريه كالوعل ، متى ما ترق العين فيه تسهّل ، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره ما أنت هناك فتمهّل . ومن حبشيّ أصفر بروق العين ، ويشوق القلب بمشابهة العين ، كأن الشمس ألقت عليه من أشعتها جلالا ، وكأنه نفر من الدجا فاعتنق منه عرفا واعتلق حجالا ، ذي كفل يزين سرجه ، وذيل يسدّ إذا استدبرته منه فرجه ، قد أطلعته الرياضة على مراد راكبه وفارسه ، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع وتوشيع ملابسه ، له من البرق خفة وطئه وخطفه ، ومن النسيم طروقه ولطفه ، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين ، وابتلّ عطفه يطير بالغمز ، ويدرك بالرياضة مواضع الرّمز ، ويغدو كألف الوصل في استغناء مثلها عن الهمز . ومن أخضر حكاه من الروض تفويفه ، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه ، قد كساه الليل والنهار حلتي وقار وسنا ، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدّان لما استجمعا حسنا ، ومنحه الباري حلة وشيه ، ونحلته الرياح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه ، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله ، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حبّ الظفر بمسابقة خياله ، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار ، أو طلائع فجر خالط بياضه الدجا ، فما سجى ومازج ظلامه النهار فما انهار ولا أنار ، ينحال لمشاركة بينه وبين الماء في السير كالسيل ، ويدل بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل ، ويكذّب المانوية ؛ لتولد اليمن بين إضاءة النهار وظلمة الليل . ومن أبلق ظهره حرم وجريه ضرم إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها عدم وإن صرّف في حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان وفعله ما يريد الكفّ والقدم . قد طابق
هامش
( 1 ) حرب ابني وائل هي : حرب بكر وتغلب ، والتي اشتهرت باسم حرب البسوس .