وأنشدته لنفسي أيضا : ( الوافر ) .
أقول لمقلتي لمّا رمت في * فؤادي حسرة من عنبريّ
سلمت وبات قلبي في عذاب * ألم يخشى فؤادك عن بريّ
فقال : حسن لسن ، وزاد في الإعجاب بذلك ، ثم قال : إلا أن قافيتي أنا مؤسّسة - يعني أن فيها الألف - ، فأتيته في اليوم الثاني ، وأنشدته لنفسي أيضا : ( الوافر ) .
مليك كم سحاب سحّ لي من * نداه الهامعيّ الهامريّ
وقال السّيف في يمناه لمّا * رأى الأعداء : من ذا الهام ريّي
فقال : أجدت ، ولكن أنا بيتاي في غزل ، وهذان في مديح ، فغبت عنه يومي ، وجئته في اليوم الثاني ، وأنشدته لنفسي : ( الوافر ) .
مليح جاء بعد الحجّ يذكي * غرامي بالنّسيم الحاجريّ
تلظّت منه أشواقي بقلبي * وقالت : عند هذا الحاجّ رييّ
فزاد في تقريظهما والثناء عليهما ، فقلت : يا سيدي ، واللّه ما يلحقك أحد في بيتك ، ولو كان المطوّعي « 1 » أو البستي « 2 » ، قال : ولم ذاك ؟ قلت : ؛ لأنك شاعر مجيد فحل ، وقعت على المعنى بكرا ، فلم تدع فضلة لغيرك ؛ ليأتي به في تراكيبك العذبة الفصيحة ، ومعناه الحسن البليغ ، فبالغ في الجبر والصدقة .
وأنشدني من لفظه لنفسه : ( الكامل ) .
قل لي عن الحمّام كيف دخلتها * يا مالكي لتسرّ خلا مشفقا
أدخلتها وأولئك الأقوام قد * شدّوا المآزر فوق كثبان النّقا
فاستحسنتهما ، وأنشدته لنفسي مضمّنا في اليوم الثاني : ( الطويل ) .
مليح أتى الحمّام كالبدر في الدجى * ومبسمه يزري بزهر الكواكب
وأرادفه من تحت مئزره حكت * بياض العطايا في سواد المطالب
فأعجبه هذا التضمين كثيرا ، وأنشدني يوما له : ( الطويل ) .
إذا كان من أهواه روحي وراحتي * ولقياه أرجى من حياتي وأرجح
هامش
( 1 ) المطوّعي هو : عمر بن علي ، شاعر رقيق من أهل نيسابور . ( انظر : الأعلام : 5 / 55 ) .
( 2 ) البستي هو : علي بن محمد ، شاعر عني بالتجنيس ، المتوفى في سنة 400 ه . ( انظر : وفيات الأعيان :
3 / 376 ) .