أمّا ترسّله السّهل البديع فقد * أقام في شاهق بالنّجم معقود
أنسى الأنام به عبد الرّحيم « 1 » كما * راح العماد « 2 » بقلب غير معمود
تراه إن أعمل الأيّام مرتجلا * قال البيان لها يا سحبنا جودي
يملي ويكتب من رأس اليراع بلا * فكر فيأتي بسحر غير معهود
إذا سمعنا قوافيه وقد نجزت * تقول من طرب ألبابنا عيدي
شاعت فضائله في النّاس واشتهرت * وبات ينشدها الركبان في البيد
يا من رجعت به في النّاس معرفة * من بعد ما زال تنكيري وتنكيدي
وساعدت فيك حمام الأيك نائحة * فقصّرت فيك عن تعداد تعديدي
لهفي عليك وهل يجدي التّلهّف أو * يفكّ أسر فؤاد فيك مصفود
وحرقتي فيك لا يطفي تلهّبها * دمعي ولو سال في خدّي بأخدود
فلا جفت قبرك الأنواء وانسجمت * عليه يا خير ذي صمت وقد نودي
وكنت قد قرأت عليه المقامات الحريرية ، وانتهيت منها إلى آخر المقامة الخامسة والعشرين في سنة ثلاثة وعشرين وسبعمائة ، فكتب هو عليها : قرأ عليّ المولى الصّدر فلان الدّين - نفعه اللّه بالعلم ونفع به - من أوّل كتاب المقامات إلى آخر الخامسة والعشرين قراءة تطرب السامع ، وتأخذ من أهواء القلوب بالمجامع ، وسأل منها عن غوامض ، تدلّ على ذكاء خاطره المتّقد ، وصفاء ذهنه العارف منه بما ينتفي وينتقد ، ورويتها له عن الشيخ الإمام مجد الدين أبي عبد اللّه محمّد بن أحمد « 3 » بن الظهير الأبلي ، وساق سنده إلى الحريري ، ثم إنه كتب لي على آخرها ، وقد كمّلت قراءتها عليه بدمشق في الثاني عشر من شهر اللّه المحرّم سنة أربع وعشرين وسبعمائة : قرأ عليّ المولى الكبير ، الرئيس العالم الفاضل ، المتقن المجيد نظما ونثرا ، المحسن في كل ما يأتي به من الأنواع الأدبية بديهة وفكرا ، فلان الدين - نفعه اللّه بالعلم ، ونفع به - كتاب المقامات الحريرية قراءة دلّت على تمكّنه من علم البيان ، واقتداره على إبراز عقائل المعاني المستكنّة في خدور
هامش
( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .
( 2 ) العماد هو : الكاتب محمد بن محمد بن حامد ، المتوفى في سنة 597 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 1 / 132 ) .
( 3 ) وقد سبق ذكره .