الخواطر مجلوّة لعيان الأعيان ، وإنه استشفّ أشعة مقاصدها بفكره المتّقد ، وفرّق بين قيم فرائدها بخاطره المنتقد ، فما تجاوز مكانا إلا وأحسن الكلام في حقيقته ومجازه ، ولا تعدّى بيانا إلا وأجمل المقال في تردد البلاغة بين بسط القول فيه وإيجازه ، ورويته له عن فلان ، وذكر السند على العادة .
وكتب هو لي أيضا على كتاب الحماسة : قرأ عليّ الصّدر فلان الدين قراءة مطّلع من البلاغة على كنوزها ، مميّز في الصناعة بين لجين بديعها وإبريزها ، باحث عن إبراز مقاصدهم التي لا توجد في كلام من بعدهم ، عالم بقيم فرائدهم التي إذا ساواها بغيرها نقّاد الأدباء بسرح الامتحان والسبك نقدهم ، ثم ذكر سنده فيها على العادة .
وكتب هو أيضا علىّ كتابه « أهنا المنائح في أسنى المدائح » مما نظمه هو في مديح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : قرأ عليّ المولى فلان الدين - أيّده اللّه تعالى - هذا الكتاب ، والزيادات الملحقة في آخره من نظمي أيضا ، قراءة دلّت على وفور علمه ، وثبت رويّته في استنباط المعاني وقوة إدراكه وسرعة فهمه ، وشهدت بتمكّنه في هذه الصناعة ، وأنبأت عما يجريه فكره من مواد البراعة على لسان اليراعة ، وأذنت له أن يرويها عني ، وغيرها مما قرأه عليّ ، وما لم يقرأه من نظمي ونثري ومسموعاتي وإجازاتي .
وكتبت أنا في آخر كتابه « حسن التوسل إلى صناعة التّرسّل » بعد ما قرأته عليه في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، قرأت هذا الكتاب على مصنّفه الشيخ الإمام :
( الكامل ) .
العالم العلامة الحبر الّذي * بهرت عجائبه بني الآداب
ودنت لديه المشكلات وطالما * جمحت أوابدها على الطّلاب
من كلّ قافية تهزّ معاطف ال * أيّام من سكر بغير شراب
الألمعيّ أخو الفواضل والنّدى * الكامل الأدوات والأسباب
المفوّه المدبّر ، المشير السفير ، يمين الملك يمين الملوك والسلاطين شهاب الدين أبي الثناء محمود ، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس : ( السريع ) .
لا برحت أبكار أفكاره * تجلى لنا في حبر الحبر
وروضة الآداب مفترّة * من لفظه عن يانع الزّهر
ابن المولى الوليّ الصالح السعيد زين الدين سلمان بن فهد - رحمهما اللّه تعالى - في مجالس آخرها التاريخ المذكور ، وقد رأى أن ينظمني في سلك خدمه ، ويفيض عليّ كما أفاض عليهم ملابس نعمه ، ويحشرني في زمرة الآخذين عنه ، ويقبسني أنوار كماله في