وكان - رحمه اللّه تعالى - ممن أتقن الفنين نظما ونثرا ، وبرع في الحالين بديهة وفكرا ، وكان هو يزعم أن نثره أحسن من نظمه ، وأن بدره فيه أكمل منه في تمّه .
والذي أراه أنا ، وأبرأ فيه من العناية والعنا ، أن نظمه أعذب في الأسماع ، وأقرب إلى انعقاد الإجماع ؛ لأنه انسجم تركيبا ، وازدحم تهذيبا ، فسحر الألباب ، ودخل بالعجب من كل باب ، وإن كان نثره قد جوّده ، وأجراه على قواعد البلاغة وعوّده ، فإن شعره أرفع من ذلك طبقة ، وأبعد شأوا على من رام أن يلحقه ، وهو يحذو فيه حذو سبط التعاويذي ، وقصائده مطوّلة فائقة ليس يرتفع فيها ولا ينحطّ ، بل هي أنموذج واحد ليس فيها ما يرمى ، ولم يكن بغوّاص على المعاني ، ولا يقصد التورية ، فإنها جاءت في كلامه قليلة ، ومقاطيعه قليلة ولكن قصائده طويلة ، طائلة هائلة ، لعلها تجيء في ثلاثة مجلدات أو أربعة ، ولم يجمعها أحد ، وهي كما قال ابن الساعاتي : ( الخفيف ) .
ناطقات بكلّ معنى يضاهي * نكت السّحر في عيون الملاح
من نسيب يهزّ عاطفة المج * د ومدح يلين قلب السّماح
وأما نثره فيجيء في ثلاثين مجلدة ، وكان أخيرا بالديار المصرية ينشئ هو ، ويكتب ولده القاضي جمال الدين إبراهيم ، فيجيء المنشور ، أو التوقيع فائقا في خطه ولفظه .
وعلى الجملة فلم أر من يصدق عليه اسم الكاتب غيره ؛ لأنه كان ناظما ناثرا ، عارفا بأيام الناس وتراجمهم ، ومعرفة خطوط الكتّاب ، وله الروايات العالية بأمهات كتب الأدب وغيره ، ورأى الأشياخ وأخذ عنهم ، وعيّن في وقت بالديار المصرية لقضاء الحنابلة .
وهو - رحمه اللّه تعالى - أحد الكتاب الذين عاصرتهم وأخذت عنهم ، وكان يكتب الإنشاء أولا بدمشق ، ثم إن الصّاحب شمس الدين بن السلعوس نقله إلى الديار المصرية ، لما توفي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ، وتقدم ببلاغته وكتابته وإنشائه ، وسكونه وتواضعه .
وأقام بالديار المصرية إلى أن توفي القاضي شرف الدين بن فضل اللّه بدمشق ، فجهز مكانه إلى دمشق صاحب ديوان الإنشاء ، فأقام بها إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة السبت الثاني عشر من شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة بدار الفاضل بدمشق داخل باب الناطفانيين ، وصلي عليه ضحى يوم السبت بالجامع الأموي ، وصلّى عليه نائب الشام الأمير سيف الدين تنكز والأعيان برّا باب النصر ، ودفن في تربته التي عمّرها لنفسه بالقرب