وكان أول أمره قد توجّه مع الأمير سيف الدين طقطاي الجمدار إلى نيابة الكرك ، ثم إنه عاد واستخدمه الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - صاحب ديوانه ؛ عوضا عن القاضي محيي الدين ، فصال وجال ، وكان له ذكر في دمشق وصيت وسمعة ، إلى أن تغيّر عليه بعد مدة ، فعزله وأخذ منه بعض شيء ، واستمر في إحدى وظيفتيه بديوان الإنشاء ، ثم إنه بعد مديدة لزم بيته ، وأقام على ذلك مدة ، ثم إنه حنّ عليه ، واستخدمه في نظر دار الطراز فباشرها مدة ، ثم إنه تناقل هو وابن السابق « 1 » من عمالة الخزانة إلى نظر دار الطراز ، فاستمر أمين الدين في عمالة الخزانة بقلعة دمشق إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - .
ولما كان الأمير علاء الدين الطنبغا بدمشق ، تحدّث له القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه في أن يكون في جملة كتّاب الإنشاء ، فرسم له بذلك ، وكتب بذلك توقيعه ، وعلّم عليه ، وطلب ؛ ليباشر ، فاستعفى من ذلك .
وكان له نظم ونثر لا بأس بهما ، من ذلك ما نظمه وكتبه على حسن التوسّل ، وهو :
فأدركته منها بحسن التوسل ، ونقلت من خطه صورة قصة كتبها على لسان قلعة الكرك ، تسأل أن يكون بها موقّعا ، وهي : المملوكة المملكة الكركية ، الشاكي على لسان حالها أكبر مصيبة وأعظم لية : ( السريع ) .
تقبّل الأرض لدى مالك * ساس الأقاليم برأي مصيب
وتشتكي جور الزّمان الّذي * قد خصّها دون الورى بالصليب
وتنهي أنها من أعز الممالك ، وأصعب المسالك ، قلعتها منيعة ، وهضبتها رفيعة ، وبقعتها وسيعة ، وذروتها باسقة ، وقلتها شاهقة ، وقد اتخذت لها الغمام لثاما ، وزرقة السماء وشاما ، يكاد ساكنها يرد من المجرة نهرها ، ويجالس من النجوم زهرها ، وهي دار السلطنة الشريفة ، ومحلّ الأرمن من الخيفة ، قد جمعت بين قرب الأرض المقدّسة والشام ومجاورة الأنبياء والبلد الحرام ، ومع ذلك كله لسان إنشائها أقلف ، وقلم توقيعها من الحجارة أجلف ، ووليّه نصراني الدين ، وفي ذلك إجحاف بالإسلام والمسلمين ، وكانت صابرة على البلوى ، ومحتسبة عند اللّه ما تقاسيه من هذه الشكوى ؛ لعدم من تنهي إليه حالها وتبث مقالها ، إلى أن أعزها اللّه بعز الدين ، ومنحها منه بالرأي الصائب والفتح المبين : ( الطويل ) .
أمير له حزم وعزم وفطنة * ورأي يجيد العقد والحلّ صائبه
تردّى بثوب العدل والبأس والنّدى * كما قال من قد أحكمته تجاربه
هامش
( 1 ) أورد المصنف له ترجمة في موضعها .