فوّض البيان أمر مقته ومقته ، وما كلمه إلا بحر والقوافي أمواج ، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطّروس على حلل الديباج ، فلهذا أخملت رسائله الخمائل ، وتعلّمت منها الصّبا لطف الشمائل ، وأخذت بآفاق البلاغة ، فلها قمرها الطوالع ، ولغيرها نجومها الأوافل ، وانتقت أعالي الفضائل ، وتركت للناس فضالة الأسافل : ( الوافر ) .
وهذا الحقّ ليس به خفاء * فدعني من بنيّات الطّريق
فأما درّه الذي خرطه الجناس في ذلك السلك ، فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء الملك : ( الطويل ) .
فذا السّجع سجع ليس في النّثر مثله * وهذا جناس ليس يحسنه الشّعر
فلو رأى الميكالي نمطه العالي ، وتنسّم شذى غاليته العزيز الغالي ، لقال : عطّلت هذه المحاسن حالي الحالي ، وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ ، إلا لي ولو ظفر الحظيري « 1 » بتلك الدّرر ، حلّى بها تصنيفه ، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه ، وعوّذها بآية الكرسي ، ودخل دار صمته ، وأغلق باب الفتح القدسي ، فعين اللّه على هذه الكلم التي نفثت في العقد ، وأيقظت جدّ هذا الفن الذي كان قد رقد ، فقد أصاب الناس بالسهام ، وأصبت أنت بالقرطاس ، وجاءوا في كلامهم بالذاوي الذابل ، وجئت أنت بالغضّ اليانع الغراس ، وأبعدت أنت في مرمى هذا الفن فقاربوا ، ولكن أين الناس من هذا الجناس ! وسبقت إلى الغاية ، ولو وقفت ما في وقوفك ساعة من بأس ، وقد قيل : بدئ الشعر بأمير وختم بأمير ، يريدون امرأ القيس وأبا فراس ، وكذا أقول بدئ بالبستي وختم بمولانا ، وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس .
وقد أثنيت على تلك الروضة ، ولو وفّقت لانثنيت وما أثنيت ، ووقفت عند قدري فما أجبت ولكن اقتحت وما استحييت ، على أني لو وجدت لسانا قائلا لقلت : فإني قد وجدت أول البيت ، وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة ، وأرجو أنني أوصيها شفاها ، إما في الدنيا ، وإما في يوم الحاقة : ( الخفيف ) .
إن نعش نلتقي وإلا فما أش * غل من مات عن جميع الأنام
قلت : كأن هذه الخاتمة كانت مني فألا عليه ، فإنا لم نلتق ، وحالت المنية بينه وبين الجواب ، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته .
هامش
( 1 ) الحظيري هو : سعد بن علي بن القاسم ، شاعر بغدادي ، من كتبه " زينة الدهر " ، و " لمح الملح " ، ( انظر : وفيات الأعيان : 2 / 366 ) .