ويا غضيث إن ساجلت دمعي فإنّه * يفوتك مع ذا أنّة ونحيب
ويا غصن إن هزّت معاطفك الصّبا * فما لك قلب بالغرام يذوب
إذا جفّ جفني ذاب قلبي أدمعا * فلله قلب عاد وهو قليب
أبيت بجفن ليس يعرف ما الكرى * وأيّ حياة بالسّهاد تطيب
وقلب إذا ما قرّ عادته لوعة * فيعروه من بعد القرار وجيب
ألا إنّ دهرا قد رماني بصرفه * لدهر إذا فكّرت فيه عجيب
ويكفيه أنّي بين أهلي ومعشري * وصحبي لبعدي عن حماك غريب
يقبّل الأرض ، وينهى ورود المثال الذي تصدّق به مولانا منعما ، وأهده خميلة فكم شفى زهرها المنعّم من عمى ، وبعثه قلادة فكم أزال درّها المنظّم من ظمأ ، وأقامه حجة على أن مرسله يكون في الإحسان والآداب مالكا ومتمّما ، فبللت برؤيته غلة الظّمأ البرح ، وعاينت ما شاده من بنيان البيان فقلت لبلقيس : عيني ادخلي الصّرح ، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح ، وتلقّيته بالضمّ إلى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح ، وأسمت ناظري من طرسه في روضه الأنف ، وقسمت حليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشنف ، ووردت منهله الصافي ، والتحفت بظلّه الضّافي ، واجتليت من وجهه بشرا قابله الشكر بالقلم الحافي ، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي ، وكلّفت قلبي الطائر جوابا فلم تقو القوادم ، وظهر الخواء في الخوافي ، وقلت : هذا الفنّ الذي ما له ضريب ، وهذا وصل الحبيب البعيد ، قد نلته برغم الرقيب القريب : ( الوافر ) .
فيا عينيّ بيتا في اعتناق * ويا نومي قدمت على السّلامه
وأقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكّت ، ولا أجراه اللّه على لسانه إلا لما سكّت البلغاء وبكّت ، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلّصت القلوب من رقّ غيره وفكّر ، ولا وهبه اللّه هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطّعوها من حيث رقّت ، والصحيح من حيث ركّت ، فما كل كاتب يده فم ، ولسانه فيه قلم ، ولا كل متكلم حش بيانه تأتّم الهداة به كأنه علم ، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليّ كلا ، أو كلّم العدوّ كلم ؛ لأن مولانا - حرسه اللّه تعالى - لا يتكلّف إذا أنشا ، ولا يتخلّف إذا وشّى ، والسّجع أهون عنده من النفس الذي يردده ، أو أخف ، والدرّ الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدرّ الذي في قعر البحر وأشفّ ، وإذا راض قلمه روّض الطّروس من وقته ، وإذا أفاض كلمه