القوافي ، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي ، بل تلك المعاني التي حيّرت المعاني ، وفعلت في الألباب ما تفعله الثالث والمثاني ، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيها ، وامتثل القلم أمرها ونهيها ، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوما ؛ ثقة أنها لا تخالف له مرسوما ، لقد آل فضل الكتاب إليها ، وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها ، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنت زهره اليانع ، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع ، لقد أفحمت قائلة : ( الطويل ) .
ومن يساجلني يساجل ماجدا * يملا من آدابه كلّ ذنوب
هي الشّمس تدنو وهي ناء محلّها * وما كلّ دان للأنام قريب
تخطّت إلى الحضر الجياد نباهة * وهيهات من ذاك الجناب جنيب
وحيّت فأحيت بالأماني متيّما * حبيب إليه أن يلمّ حبيب
يذكّرني ذاك الجمال جمالها * فليلي كما شاء الغرام رحيب
وما لي إلّا أنّة بعد أنّة * وما لي إلّا زفرة ونحيب
حنينا لعهد غادر القلب رهنه * وعلّم دمع العين كيف يصوب
وذكرى خليل لم يغب غير شخصه * وفي كلّ قلب من هواه نصيب
ولولا حديث النّفس عنه بعوده * وأنّ المنى تدعو به فيجيب
لما استعذب الماء الزّلال لأنّه * إذا مازج الماء الزّلال يطيب
فبادرها المملوك لبنائها متعرفا ، وبأرحبها متعرفا ، وبولائها متمسكا ، وبثنائها متمسكا ، شوقا إليها لا يبيد ، ولو عمّر عمر لبيد ، واقفا على آمال اللقاء وقوف غيلان بدار ميّة ، عاكفا على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية ، واللّه يتولاه في حالتيه ظاعنا ومقيما ، ويجعل السّعد له حيث حلّ خدينا والنجح خديما ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - .
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك : ( الطويل ) .
تنوح حمامات اللّوى فأجيب * ويحضر عندي عائدي فأغيب
وقد ملّ فرش السّقم طول تقلّقي * عليه بجنبي إذ تهبّ جنوب
ولمّا بكت عيني نواك تعلّمت * دموع السّحاب الغرّ كيف تصوب
أيا برق إن حاكيت قلبي فلم يكن * لنارك مع هذا الخفوق لهيب