فأصبح لا يثني إلى الأرض جيده * غراما ولم يعدل بها وردة الجوري
وقد كانت الأطماع نامت ليأسها * فلمّا أتت قال الغرام لها ثوري
وزادت جفون العين سهدا كأنّما * حبتها بكحل منه في الجفن مذروري
وكان الدّجى كالعام فاحتقرت به * وقالت له ميعادك النّفخ في الصّور
ولا ترض من نار الحشا باتقادها * فقد قذفت في كلّ عضو بتنّور
وما شكرت عيني على سفح عبرتي * على أنّ محصول البكى غير محصور
وقالت أما نحيا الدّموع لشدّة * فدعها تفض من زاخر اللّجّ مسجور
ولو كنت ألقى في البكا فرجا لما * مضى اليوم حتّى كنت أوّل مغرور
ولو كنت ألقى الصّبر هانت مصيبتي * ولكنّه للحظّ في غير مقدور
فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركم * فإنّي لما تهدونه جدّ مضرور
سلوا اللّيل هل آنست فيه برقدة * فما هو ممّن راح يشهد بالزّور
فكم لي فيه صعقة موسويّة * وللقلب من تذكاركم دكّة الطّور
تشفّعت للبين المشتّ بكم عسى * يعود هزيم القرب عودة منصور
على أنّ جاه الحظّ أكرم شافع * ولولاه لم يحتج إلى بنت منظور « 1 »
فكم في البرايا بين عان ومطلق * وسال ومحزون ودان ومهجور
وليس سوى التّسليم للّه والرّضا * بقلب منيب طائع غير مقهور
وحاش لعلّام الخفيّات في الورى * على ما ابتلاني أن أرى غير مأجور
فكتب هو - رحمه اللّه - الجواب : وردت المشرّفة السامية بحلاها الزاهية ، بعلاها المشتملة على الأبيات ، الصادرة عن السجيات السخيّات ، التي فاقت الكنديّين « 2 » ، وطوت ذكر الطائيين « 3 » ، ما شئت من بدائع إيداع ، وروائع إبداع تقف الفصاحة عندها ، وتقفو البلاغة حدّها ، فاللّه ذلك الفضل الوافي ، بل السحر الحلال الشافي ، بل تلك القوى في
هامش
( 1 ) ابنة منظور هي : خولة بنت منظور بن زبان الفزاري زوج عبد اللّه بن الزبير ، وكانت النوار زوج الفرزدق قد لجأت إليها .
( 2 ) الكنديان هما : امرؤ القيس ، وللقنع الكندي .
( 3 ) الطائيان هما : أبو تمام والبحتري ، وقد سبق ذكر ترجمة له .