ذكري لأيّام به * مرّت كما مرّ الحلم
وحلت كما مرّت ليا * لي الشّريف بذي سلم
وينهى ورود المشرّفة العالية قدرا ، الحالية من البدائع الروائع درا ، المؤتقة في رياض الفصاحة زهرا ، المطلعة في سماء البلاغة زهرا ، وكلّف بها كلف عمرو بعراره « 1 » ، والفرزدق بنواره ، وأقسم من طرسها بحمرة الشّفق ، ومن نقسها بالليل وما وسق ، ومن غرر معانيها السامية على غير معانيها بالقمر إذا اتّسق ، لتليت أهل البلاغة ، فظلت أعناقهم لها خاضعين ، وجليت على أرباب اليراعة وألباب البراعة ، فقالتا : أتينا طائعين ؛ انقيادا لطفيل « 2 » أعنيتها ، وبتريا من مطاعنة أبي براء ملاعب أسنتها ، كل يلمحها بطرف كليل وشخص ضئيل ، ويرجع عن مجاراتها بأمل حسير وقلب كسير ، فلا يجري في ميدانها خيل طراده ، ولو قام مقام قس في إياده ، وأين حميمه من حمياها ! ، أم أين سهيلة من ثرياها ! لشد ما ارتفعت منها المطالع ، وانقطعت دونها المطامع ، فما الظن بوحيد يحتاج إلى الذمام ، وربيط في الرّغاب لا عهد له في السرايا ولا أنس له بالدخول في القتام ، أن يجول في حلبة الرهان ، أو يطول إلى مقاتل الفرسان ، أو يسابق بسكّيته مجلي الميدان ، أو يناطق بباقل من سحب ذيلا على سحبان ، وهل تستفاد تلك المواد من غير ذلك المواد ، وهل استولى على أمد تلك الجواد غير ذلك الجواد ، وأن يكاثر البحار الزواخر من ورده الثماد ، وأن يطاول الأنجم الزواهر من قرارته الوهاد ، فما تفوّه السليم الصدق إلا بالتسليم لذلك السبق ، والتعظيم لذلك الحق ؛ اعترافا بما قد حواه رافع ذلك المنار ، وجامع تلك المبار .
وأما أمره بالمسارعة إلى المراجعة ، والمعاجلة إلى المساجلة ، وما غادره لغيره من متردّم ، ولو شنّ على الآداب إغارة ربيعة بن مكدم ، فلم يرجع المملوك إلى جواب ينجده ، وخطاب يسعفه بالمراد ويسعده ، إلا التمثل بقول القائل : ( الكامل ) .
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع * قولا يقال ولا بديعا يدّعى
وأما تمثيله ببيت أبي العلاء ما هو فيه من علو المكان ؛ لإنابته ابن عمه الحصى عن المرجان ، فما مكاثره بالأدب ، وعيونه تنسل إليه من كل حدب ، إلا المكاثر بياءي أنيسيان ، بل لعله - حرسه اللّه تعالى - عن له المرور ببلاد ابن عنين ، بلاد بها الحصباء درّ ، أو ثنى عنانه إلى منزل ابن اللّبانة : ( الطويل ) .
هامش
( 1 ) عرار هو : عرار بن عمرو بن شأس الأسدي .
( 2 ) طفيل هو : طفيل بن عوف بن كعب الغنوي ، من أوصف شعراء الجاهلية للخيل .