ولياليه ، وأتى كما حكمت عليه الأقدار بذنب عقابه فيه : ( الخفيف ) .
وكأنّي بها كما عوّدتني * عطفتها عليّ تلك المعاطف
ثمّ قالت : دعوه يحظى بوصل * إذ له مدّة على الباب واقف
فلله عزماتها التي لو شاءت جمعت بين الضبّ والنون ، وأبدلت بالمنى موارد المنون ، وما ذلك عليها - بمشيئة اللّه تعالى - بعزير ولا عتيد ، وما هي إلا كلمة تدخل بالمملوك إلى دار السعادة كما عوّدت من باب البريد .
وأما المثال العالي - أعلاه اللّه تعالى - ، وجعل القلوب في عليّ قدره تتوالى ، فأعود إلى وصفه نثرا ، وأستعير من كلماته في تقريظه درّا ، فأقول : إنه اشتمل على المحاسن ، وغدا أنموذج الجنة التي خمرها مغتال ، وماؤها غير آسن تقطر البلاغة من كلمه ، وتشفّ الفصاحة من وراء ما سطّر بقلمه ، وتغني رياضه الناضرة عن أراك الحمى وعن سلمه ، ويهز الواقف على معانيه بالطرف من قرنه إلى قدمه ، يتحيّر الناظر فيه لتردده بين روض وأفق ، ويتخيّر الماهر من لفظه تاجا لفرق أو قلادة لعنق : ( الخفيف ) .
قل فكم من جواهر بنظام * ودّها أنّها بفيك كلام
وأما عبودية المملوك التي تقدّمت ، فو اللّه ما توهّم المملوك أن سيدي - حرسه اللّه تعالى - يتكلّف لها جوابا ، ولا يفتح من بيوت نظمه المصون لهذه الطارقة بابا ، ولو تحقق هذا الأمر لأعطاها حيله وحيله ، وشدّ على شنّ الإغارة على المعاني الجامحة خيله ، وأعمل فكرة في تهذيب ما يهديه حتى يقال : هذا كتاب ليلة وألف ليلة .
ولما كان هذا مقام افتراص ، واقتناء لجواهر كلم سيدي واقتناص ، بعث هذه العبودية ؛ طمعا في الجواب الثاني ، وعوّذها من الشآم بعطف مولانا الذي لا يثنيه عن الخير ولا الجبر ثان ، وللّه المعرّي حيث قال : ( الخفيف ) .
قد أجبنا قول الشّريف بقول * فأنبنا الحصى على المرجان
واللّه يمتّع الأنام بحياته التي هي جملة الأماني ، ويديم فضائله التي لا توجد إلا في العقد ولا تؤخذ إلا من الأغاني ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - .
فكتب هو الجواب عن ذلك : ( المنسرح ) .
حيّت فأحيت وعندما حسرت * خمارها كلّ مهّة سحرت
يا خجلة الشّمس عندما سفرت * وغصّة الغصن عندما خطرت
وفتنة الظّبي عند لفتتها * وحيرة الظّبي كلّما نظرت
ما كنت أسلو جمالها أبدا * لولا الّتي بالجمال قد بهرت