تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
إلا أنه كان شديد الديانة ، مديد الصيانة ، عفيف الفرج مع القدرة ، عزوف النفس لا يتناول من مال غيره ذرّة ، لا يقبل لأحد هدية ، ولا يدع ما فيه شبهة يدخل ندية . وكان مغرى بالنكاح لا يكاد يفارقه ، ولا يشغله عنه ولا يسارقه ، ومع ذلك فكفّه أندى « 1 » من الغمام ، وأجود من النسيم بالطيب إذا مرّ بالزهر وشق عنه الكمام ، يحب الطرب الدائم ، وسماع النغم الملائم ، وكان منهوما « 2 » في المآكل والمشارب ، ملهوفا في تفرقة طعامه لكل مستخف وسارب ، وما رزق في نيابة دمشق سعادة ، ولا وافقته المقادير على ما أراده ، وأبغضه أهلها ، ونفر منه حزنها وسهلها ، فأمسك فيها بعد قليل ، وخرج منها بعد ما رشف كأس الذل ، ورسف في القيد الثقيل ، وذلك في يوم الخميس الثاني عشر من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبعمائة . أنشدني لنفسه الشيخ علاء الدين بن غانم : ( الخفيف )
أنا راض بحالتي لا مزيد * وبأن لا أزال عند الحميد إنّ في أمر كافل الملك بالشّا * م عظات للحازم المستفيد جاه بالتّقليد أرغون بالأم * س وولى ، وعاد بالتقييد
كان أولا نائبا في صفد بعد الأمير فارس الدين البكي ، وأقام بها إلى أن توجّه في واقعة غازان ، وحصلت الكسرة ، فحضر هو إلى صفد ، وقصد القلعة لإيداع حريمه بها ، وانجفل « 3 » الناس ، فلم يفتح له الباب ، وسبّه جماعة من مستخدمي القلعة ، وآلموه بالكلام ، فقال : أنا ما أدخل ، ولكن افتحوا للحريم ، فلم يسمعوا له ، وبقيت هذه النكاية في خاطره . ولما توجّه إلى مصر طلب العودة إلى نيابة صفد ، فعاد إليها ، وقتل أولئك الذين جاهروه بالأذى ، ومنعوا حريمه بالمقارع ، ونفاهم منها ، ثم إنه توجّه إلى مصر ، وحضر بدله الأمير سيف الدين بتخاص ، وأقام بمصر مدة ، ثم إنه رمى إقطاعه ، وأقام بالقدس مدة
هامش
( 1 ) أندى : الجواد والكرم يقال للناس . الندى فندوا وبابه عدا والندى أيضا بعد ذهاب الصوت يقال : فلان أندى صوتا من فلان إذا كان بعيد الصوت والندى : الجود ورجل « ند » أي جواد ، والندوة والمنتدى النادي ومنه سميت دار الندوة التي قصي بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة وقوله تعالى :فَلْيَدْعُ نادِيَهُ[ العلق : 17 ] أي عشيرته . ( 2 ) منهوما : بلوغ النهمة في الشيء وقد نهم فهو منهوم وفي حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم « منهومان لا يشبعان منهوم المال ومنهوم العلم » . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 419 ) . ( 3 ) جفل : جفل أسرعا ، وبابه جلاسا ، والجافل : المنزعج ، واجفل القوم ؛ هربو مسرعين . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 69 ) .