قبول هذه البقج إلا منك ، قال : فدخلت عليه ، وقلت له : يا خوند ، أنا رجل غريب في هذه المدينة ، وهذا الأمير سيف الدين بهادر آص أكبر من فيها ، وما بعدك أكبر منه ، وقد قال :
كذا وكذا ، فقال : أين هذا الذي أحضره ؟ فأحضرته فقبله جميعه قطعة قطعة ، ثم قال : قل له :
أنت تعلم أخلاقه ، ومحبّته لنسائه وجواريه ، وهو قد حلف بالطلاق منهن وبعتقهنّ ، أنه ما يقبل في هذه النيابة لأحد من خلق اللّه تعالى شيئا ، قلّ ولا جلّ ، فأنت رأيت يا خوشداش طلاق زوجاته وعتق جواريه ، فالأمر أمرك ، قال : فأعدت ما قاله عليه ، فقبل العذر في ذلك .
وكان يحب الطرب ، فأحضر ابن غرة العواد ، وآخر يلعب بالكمنجا ، وآخر دفيا ، ورتّب لهم معاليم على ديوانه ، وقال لهم : أقسم باللّه ، ما يتكلم أحد منكم في فضول ، أو يحضر قصة ، أو غير ذلك إلا كانت يده قبالة ذلك أو لسانه ، وقد أكفيتكم ، وهذا الطعام أنتم فيه ، وفي الفاكهة وفي الحلوى ، وفي المشروب ليلا ونهارا ، فكلوا واشربوا ، وغنّوا ليس إلا .
وكانت له قصعة تسع ثمانية أرؤس غنما ، يحملها أربعة عتّالين ، يملؤها يوما حلوى سكرية ، ويوما طعام أرز مفلفلا ، ولا يزال ليله ونهاره في مشروب وأطعمة ، وفاكهة وحلوى ، واعتذر للسلطان عن إمساكه ، فقال : ما له عندي ذنب إلا أنه خوشداش بكتمر الجوكندار ، ولما أمسكت هذا ، وراح في وقت إلى إقطاعه بالصعيد ، واستغلّ من قرية ست مائة ألف درهم ، فخطر له أن يدخل إلى بلاد السودان ويفتحها ، وقال لي ، وأنا في الكرك :
أنا أقيم لك ستمائة جندي .
1398 - كرت « 1 »
الأمير سيف الدين المنصوري نائب طرابلس .
كان من الفرسان المذكورة ، والأبطال المشهورة ، له دين متين ، وسلطان في التقوى مبين ، وفيه بر ومعروف ، وجوده على الفقراء والصالحين معروف .
حمل على التتار في الواقعة ، وبيّن الفروسية ذلك اليوم لما ضاقت الرّقعة ، وأبلى بلاء حسنا ، وقتل منهم جماعة ، وخاض فيهم ، فملأ الموت بالمصاع صاعه ، وذلك في سنة تسع وتسعين وستمائة .
كان هذا الأمير سيف الدين من مماليك الأمير ضياء الدين بن الخطير ، وجعله السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين حاجبا في أيامه ، ثم إنه تولّى نيابة طرابلس ،
هامش
( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 24 / 333 .