يأكل من ريع أملاكه ، وهو بطال ، ولم يزل إلى أن حضر السلطان من الكرك إلى دمشق ، فحضر إليه ، وقال له : أي من ملك غزة ملك مصر ! فقال له السلطان : أنت لها ، وجهزه إلى غزة ، فملكها وأقام بها ، وكان الأمر كما قال .
وقلت أنا في ذلك : ( الطويل )
كرائي الّذي أهدى الكرى لجفوننا * وجمع شمل الملك بعد تنائي
أشار على السّلطان يحفظ غزة * فلم أر في عمري كرأي كرائي
ودخل معه إلى القاهرة ، ثم إن السلطان جهّزه في عسكر مصر إلى حمص ، فأقام بها قليلا ، وساق في ليلة العيد بالعساكر من حمص إلى حلب ، ولم ينفجر الصبح إلا وقد أحاط بالعساكر على دار النيابة بحلب ، وأمسك أسندمر ، وحضر إلى دمشق نائبا في يوم الخميس الحادي عشر المحرم من سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، ووصل تقليده إلى دمشق على يد الأمير سيف الدين أرغون الدوادار في الخامس عشر من المحرم من السنة المذكورة .
وحلف بالطلاق من زوجاته ، أنه ما يطلع على أحد سرق النصاب الشرعي إلا ويقطع يده ، فضاق الناس منه ، وبعث أحضر الناس المباشرين والكتّاب من حمص إلى غزة ؛ لعمل الحساب في الزناجير ، وضيّق على الناس وشدد ، واتّكل في العلامة على الشيخ نجم الدين الصفدي ؛ لأنه كان يعرفه في صفد ، وجعل دركها عليه ، فكانت العلامة تحمل إليه ، ويعتبرها شيئا فشيئا ، فما رآه سائغا وضعه في فوطة العلامة ، ودخل به ، وما ارتاب فيه عزله عنها .
ولما كان في جمادى الأولى من السنة المذكورة قرر على دمشق ألف وخمسمائة فارس يقومون بها ، لكل فارس خمسمائة درهم ، وطلب الأكابر بالترسيم إلى دار الوالي ، وتجمّعوا لتقرير ذلك ، وندب من يحضر ، ويقف على الأملاك والأوقاف ، وغلظ على الناس ، وحلفوهم على مقدار الأجر ، فضاق الناس ، وتوجّه الأعيان إلى الخطيب جلال الدين ، فقام في ذلك ، واجتمع بالحكّام ، وقرر دفع القضية معهم ؛ ليكون الكلام في يوم الاثنين مع الأمير سيف الدين كراي ، وخرج الناس بكرة النهار ، ومعهم المصحف الكريم والأثر النبوي والصناجق التي على المنبر ، فلما كان النائب واقفا في سوق الخيل ، ورأى ذلك السواد الأعظم من بعد ، والأطفال وغيرهم ، فقال : ما هذا ؟ ! فقالوا له : أرباب الأوقاف والأملاك ، وأرباب الرواتب على الجامع ، جاءوا بسبب هذا المقرر عليهم ، فقال :
ردّوهم ، وقل لهم : الشغل انقضى ، فجاء الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير الحاجب ، وهو يعرف خلق النائب ، فقال لهم : بسم اللّه ارجعوا فقد انقضى شغلكم ، فقالوا له : المصحف ما يرد ، فقال : ارجعوا ، وإلا ما هو جيّد لكم فأبوا ، فشال العصا بيده - يشير