تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وحكى لي علاء الدين بن العديل القاصد قال : توجهنا مرة ومعنا أربعة من الفداوية لقراسنقر ، فلما قاربنا مراغة ، وبقي بيننا وبينها يوم أو يومان ، ونحن في قفل تجار ، والفداوية مستورون أحدهم جمال ، والآخر عكام ، والآخر مشاعلي ، والآخر رفيق ، فما نشعر إلا والألجية قد وردوا علينا ، فتقدّموا إلى أولئك الأربعة ، وأمسكوهم واحدا واحدا من غير أن يتعرّضوا إلى أحد غيرهم من القفل ، وتوجهوا بهم إلى قراسنقر فقتلهم ، وكذلك فعل بغيرهم . قلت : والظاهر أنه كانت له عيون تطالعه بالأخبار ، وتعرّفه المستجدّات من دمشق ومن مصر ، فإنه كان في هذه البلاد نائبا ، وقد جهز جماعة من الفداوية ، ويعرف قواعد هذه البلاد وما هي عليه ، وما كان يغفل عن أمر الفداوية ، وما كان يؤتى عليه إلا منهم . قال القاضي شهاب الدين : ومات في عزّه وجاهه ، معظّما بين المغل ، كأنه ما ربي إلا فيهم ، ويقال : إنه ملك ثماني مائة مملوك ، وعندي أنه لم يبلغ هذه العدة ، وإنما كان عنده مماليك كثيرة ، وحصّل أموالا جمّة ، وكان يعطي لمماليكه الأموال الكثيرة ، وجماعته من الخيول المسوّمة ، والسروج الزرخونا ، والحوائص الذهب ، والكلاوت ، والطرز الزركش ، والأطلس ، والسمور ، والقماقم ، وغير ذلك من كل شيء فاخر ، وتأمّر في حياته بنوه الأمير ناصر الدين محمد تقدمة ألف ، والأمير علاء الدين على إمرة أربعين ، وفرج بعشرة ، وتأمّر له عدة مماليك مثل بيخان ، ومغلطاي ، وبلبان جركس بطلبخاناة ، وبهادر ، وعبدون بعشرات . قال شهاب الدين بن الصنيعة النقيب : لما جاءت العساكر الحلبية مع قراسنقر إلى دمشق سنة تسع وسبعمائة ، كان ثلث الجيش يحمل رنك قراسنقر ؛ لأنهم أولاده وأتباعه ، ومماليكهم وأتباعهم . وكان في حلب ، والأمراء الحكام في مصر مثل سلار والجاشنكير وغيرهما يخافونه ، ويدارونه ولا يخالفون أمره ، وكان مع العظمة الكبيرة يداري بماله ، ويصانع حواشي السلطان حتى الكتّاب والغلمان ، فيقال له في ذلك ، فيقول : ما يعرف الإنسان كيف تدور الدوائر ، وواحد من هؤلاء يجيء له وقت يلقح كلمة تعمّر ألف بيت ، وتخرب ألف بيت . وكان يرى أخذ الأموال ، ولا يرى إهراق الدماء ، فحقن اللّه دمه ، وأذهب ماله ، قال القاضي شهاب الدين : حكى الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الصوفي ، قال : كان ابن عبود إذا عمل المولد الشريف النبوي حضر إليه الأمراء وسائر المماليك والناس ، فعمل المولد مرة في سنة من السنين ، فحضره قراسنقر ، وكان في المولد رجل شريف صالح مغربي يعرف بالمراكشي ، فلما مدت الأسمطة قام قراسنقر ، وخلع سيفه وشمّر ، ومد