بكشف باطنه ، وأقام بدمشق على أوفاز ، فما حلّ بها أحمالا ، ولا خزن غلة ، ولا تقيّد فيها بشيء ، وأخذ أمره فيها بالحزم ، فجعل له مماليك بطفس ، ومماليك بالصنمين ، وعينا ببيسان ، وإذا وصل من مصر أحد بطقوا إليه من بيسان ، وإذا وصل الواصل إلى طفس تلقّاه نوّاب قرا سنقر ومماليكه ، وقدّموا له ما يأكل وما يشرب ، وإذا أتى إلى الصنمين فعلوا به كذلك ، ويشغلونه بالأكل والشرب والتكبيس ، إلى أن يبلغ الخبر قراسنقر ، وخيله وهجنه كلها محصلة لما يريد يفعله ، وإذا ركب من الصنمين ركب معه من مماليك قراسنقر من يوصّله إلى قراسنقر بجميع من معه من مماليك وأتباع وسوّاقين ، حتى لا ينفرد أحد ، ويكون معه ملطفات أو كتب أو مشافهات ، فيتوجه بها ، ثم إن قراسنقر ينزل الذي حضر من مصر ، هو وكل من معه عنده ، ولا يدعه يجد محيصا ، فلما أتاه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار ، وأنزله عنده ، ولم يمكّنه من الخروج خطوة واحدة ، وأنزل مماليكه عند مماليكه ، وكان عنده كأنه تحت الترسيم ، وفتح أجربتهم ، وفتق نمازنيات سروجهم ، فوجد فيها الملطفات بإمساكه ، فأعادها إلى مكانها ، وطاوله إلى أن نجز حاله ، وهو لا يظهر شيئا مما فهم منه ، وغالطه بالبسط والانشراح .
قال الصاحب عزّ الدين بن القلانسي : أتيت إلى قراسنقر ، وهو يأنس بي ، وقلت له :
ما هذا الذي أسمعه ؟ فقال : اصبر حتى أفرّجك ، ثم قال لأرغون : بأي شيء غويتم أنتم ؟ فإن نحن كنا في بيت المنصور غاوين بالعلاج والصراع ، وحدّثه في مثل هذا ، فقال أرغون :
ونحن هكذا ، فقال : أيش تعمل ؟ قال : أصارع ، فأحضر قراسنقر مصارعين تصارعوا قدّامه ، ولم يزل به حتى قام أرغون ، وصارع قدامه ، فبقي قراسنقر يتطلّع إليّ ، ويقول : يا مولانا ، أبصر من جاء يمسكني . انتهى .
وفهم بيبرس العلائي الحال من غير أن يقال له ، فركب على سبيل الاحتياط على أنه يمسكه ، فبعث يقول له : إن كان جاءك مرسوم خلني ، وإلا أنا أركب وأقاتل ، إما أنتصر ، أو أقتل ، أو أهرب ، ويكون عذري قائما عند أستاذي ، وأبعث أقول له : أنت الذي هرّبتني ، فتخيّل بيبرس العلائي ، وراح إلى بيته .
وكانت نيابة حلب قد خلت ، وقد بعث السلطان مع أرغون تقليدا ، وفيه اسم النائب خاليا ، وقال له : تصرّف في هذه النيابة ، وعيّنها لمن تختاره ، فهي لك إن اشتهيت تأخذها ، وإن أردتها لغيرك فهي له ، وكان في تلك المدة كلها يبعث قراسنقر إلى السلطان ، ويقول :
يا خوند ، أنا قد ثقل جناحي في حلب بكثرة علائقي بها ، وعلائقي مماليكي ، ولو تصدّق السلطان بها علي رحت إليها .
فلما كان من بيبرس العلائي ما كان قال لأرغون : أنا قد استخرت اللّه تعالى ، وأنا
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 61
مساهمون: خليل الصفدي
ص٦١