تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ولا يصبر لمن يظاهره أو يضاهيه ، قد حلب « 1 » الدهر أشطره ، وعلم المخزية من الأمور والمأثرة : ( الوافر )
يروعه السّرار بكلّ شيء * مخافة أن يكون به السّرار
عاداه جماعة من الأكابر ، وربطوا عليه المخالص والمضائق والمعابر ، ولم يظفرهم اللّه تعالى منه بمقصود . ولم يزل زرعه قائما غير محصود ، ودفن من أعاديه جملة ، وفرّق بمكائده من حزبهم شملة ، بطرق خفية المسارب ، دقيقة المسالك بعيدة المرامي والمضارب . ترك المال والوطن والولد ، ونزع من عنقه مؤنة الصبر والجلد ، وألقى حمل الاحتمال عن الكبد ، ولم يرض أن يكون ثالث الأذلين العير والوتد ، وأخذ في النجا بسنّة النبي عليه السّلام فنجا برأس طمرة ولجام ، ودخل بلاد التتار ، وخلى من تطلبه ، كما يقال على برد الديار ، فأخذ البريد بسببه في قعقعة لجمه ، والبر يضيق عن الجيش وحجمه ، والقصاد تروح وتغدو ناكصة على أعقابها ، والفداوية تفد عليه ، ولكن يدوس على رقابها : ( الطويل )
إلى كم ترد الرّسل عمّا أتوا له * كأنّهم فيما سمعت ملام لهم عنك بالبيض الخفاف تفرّق * وحولك بالكتب اللّطاف زحام
وكادت خزائن مصر فيه يسكنها الغراب الأبقع ، وبلد مصياف تعود وهي خراب بلقع ، هذا والسلطان لا يني عزمه ، ولا يثنى حزمه ، بل البريد في أثر البريد ، والقاصد في عقد القاصد فيما يريد ، وغلب سعادة مثل الملك الناصر في احترازه وتوقّيه ، ورد سهامه بترفعة عنها وترقيه ، إلى أن مات حتف أنفه من غير نجاح أمر ، وكاد يقول : بيدي لا بيد عمرو « 2 » ، ( الوافر )
هامش
- العطية دراهم كانت أو غيرها ، ولها عن الشيء ترك ذكره . ولهيانا بضم ألام وكسرها سلا عنه وأضرب عنه ، وألهاه : شغله وقوله تعالى :لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواًقالوا : امرأة ، وقيل ولدا وفي الحديث « أله عن الشيء في البلل بعد الوضوء » . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 373 ) . ( 1 ) حلب الدهر أشطره : أي أخذ منه كل شيء ولم يترك ما يأسف عليه ، والحلبة كالضرب خيل تجمع للسباق من كل أوب ، وكل ناحية لا من إسطبل واحد . والحلوب والحلوبة : ما يحلب . والحليب : البن المحلوب . ( 2 ) كلمة قالتها الزباء بنت عمرو الملكة المشهورة ، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة . وكانت قتلت جذيمة الوضاح ملك العراق فاحتال ابن أخت له اسمه عمرو على قتلها ودخل بيتها وهم بقتلها فامتصت سما قاتلا وقالت « بيدي لا بيد عمرو » تعني قتلت نفسها ولم يقتلها عمرو .