تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وإن أسلم فما أبقى ولكن * سلمت من الحمام إلى الحمام
وإن أسلم فما أبقى ، ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في مراغة في شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . كان الأمير شمس الدين قراسنقر لما اشتراه المنصور وهو أمير ، جعله أوشاقيا ، ثم إنه ترقّى ، وعرف عنده من صغره بحسن التأنّي في الأمور ، والتحيل لبلوغ الغرض ، وهو من أقران طرنطاي وكتبغا والشجاعي ، وتلك الطبقة ، وكان أسعد منهم ؛ لأنه عاصرهم ، وقاسمهم سعادة أيامهم ، وعمّر بعدها العمر الطويل متنقلا في النيابات الكبار ، فأناس كثيرون يعتقدون أنه من قارا النبك ، وليس بصحيح بل هم جهاركس استنابه الملك المنصور في حلب ، وتتبعه طرنطاي ، ونصب له الحبائل ، وسلّط الحلبيين عليه ، فشكوا منه ، وأخذ يحسن للمنصور عزله ، ولم يزل يعبث به ، إلى أن أمره بالكشف عليه ، فأتى حلب بنفسه ، وكشف عليه ، ولم يظفر منه بمراد . ثم إن الوزير ابن السلعوس أغرى به الأشرف ، وفطن له قراسنقر ، فلم يزل يتلافى أمر نفسه ، ويرفع حاله بنفائس الأموال وكرائم الذخائر ، إلى أن سكن غيظ الأشرف عنه ، واستمر به ، ثم إن ابن السلعوس لم ينم عنه حتى عزله من حلب ، وولى الطباخي عوضه ، ونقل قراسنقر إلى أمراء مصر ، وتقرّب إلى الأشرف وخواصه بكل نفيس ، إلى أن ندم الأشرف على عزله ، فقال له : حلب الآن انفصل أمرها ، ولكن سل حاجتك ، فقبّل الأرض ، وقال : نظرة من وجه السلطان أحب إليّ من حلب وما فيها ، ولكن أسأل أن أكون أمير جاندار ؛ لأنني أرى وجه مولانا السلطان ، وإذا جاء ذاك الرجل أقول له يتصدّق مولانا ويقعد ، فإن السلطان في هذا الوقت مشغول - يعني بذاك الرجل الوزير ابن السلعوس - فضحك السلطان ، ومزح معه في هذا ، وقال له : هذا بس ! قال : يا خوند ، يكفيني ، وهذا ما هو قليل ، واستمر أمير جاندار ، وحجب ابن السلعوس مرات من الدخول إلى السلطان ، وابن السلعوس يتلظّى عليه ، وقراسنقر يعمل مع الأمراء الأشرفية عليه ، إلى أن فعلوا تلك الفعلة . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : حكى لي أينبك مملوك بيسري ، قال : خرجنا مع الأشرف إلى جهة تروجة ، فقدّم للسلطان لبن ورقاق وهو سائر ، فنزل يأكل ، وكان أستاذي بيسري ولاجين قراسنقر قد نزلوا جملة على جانب الطريق ، فبعث الأشرف إليهم بقصعة من ذلك اللبن ، وقد سمّها ، فقال بيسري : فؤادي يمغسني ما أقدر آكل لبنا على الريق ، فقال لاجين : أنا صائم ، فقال قراسنقر : دس اللّه هذا اللبن في كذا وكذا ممن بعثه ، نحن نأكله ، ثم أخذ منه ، وأطعم كلبا كان هناك فمات لوقته ، فقال : أبصروا أيش كان