كان لا يخالفه فيما يراه ، ولا يخفي عنه ما ألمّ به في باطنه أو اعتراه ، وكانت آراؤه عليه مباركة ، وليس له فيها مع أحد مشاركة ، قد تحقق نصحه ومحبّته ، وتيقن خبرته بحاله ودربته « 1 » ، فقوله عنده قول حذام « 2 » ، وأمره على كل حال لزام ، وثور نعمه طائلة ، وسعادة هائلة في مدة يسيرة جدا ، ووقت كأنه زمن الورد إذا ردّ وتردّى ، هذا مع أنه كان لا يعرف باللسان العربي كلمة واحدة ، ولا درى ما اللفظة الفائتة من الفائدة .
ولكن اختطف من وسط هذه السعادة ، واقتطف من روض هذه السيادة ، وخلت منه الديار ، وشط منه المزار ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم الاثنين الحادي عشر من شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، ودفن في تربة زوجه كسباي عند دار الأمير شمس الدين حمزة التركماني بالقبيبات .
أخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام ، قال : لم أدخل على هذا أرغون شاه قط ، فرأيته جالسا قدّامه بل إلى جانبه ، ولا رأيته يتحدث هو وأستاذه ، وعنده مملوك آخر ، انتهى .
وكان يرجع إلى قوله ، ومهما أشار به فهو الذي يكون والعمل عليه ، ولم يكن مشترى ماله ، بل السلطان الملك الناصر وهبه له على عادة إنعاماته ، وزوّجه بجاريته كسباي ، وهي أعز جواريه ، وأحظاهن عنده .
وكان بعد ذلك لا يصبر أستاذها عنها ، ولما خرج معه إلى صفد أعطي إمرة عشرة ، ولما توجّه إلى مصر ، وأعطي نيابة حلب ، أعطي قرابغا إمرة طبلخاناة ، ولما حضر إلى دمشق أعطاه أستاذه من عنده زيادة على إقطاع الطبلخاناة قرية بيت جن ، وهي تعمل
هامش
( 1 ) الدربة : العادة والجراءة على الحرب والخبرة أيضا وقد درب بالشيء بالكسر اعتاده ورجل مدرّب :
كمحرب ومجرب وقد دربته الشدائد حتى قوى ومرن عليها . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 129 ) .
( 2 ) حذام هي : حذام بنت الريان جاهلية يمانية يضرب بها المثل في صدق الخبر قالوا : إن عاطس بن خلاج زحف على أبيها في قبائل حمير وخثعم وجعفي وهمدان فلقيهم أبوها في أربعة عشر حيا من أحياء اليمن فاقتتلوا ثم تحاجزوا ، وشعر الريان بضعف جماعته فرحل بهم ليلا وأصبح عاطس فجدّ في طلبهم فلما كان قريبا منهم رأت حذام أسرابا من القطا مقبلة عليهم فخرجت تقول :ألا يا قوم ارتحلوا وسيروا * فلو ترك القطا ليلا لنحاوقام زوجها واسمه في إحدى الروايات لجيم بن صعب . فأنشد :إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذامفلجأ قومها إلى واد امتنعوا فيه من عاطس ونجوا وضربت العرب بصدقها المثل . ( انظر أمثال الميداني :
2 / 35 ، وتاج العروس مادة حذم وفيه أنها « حذام بنت العتيك بن أسلم » ) .