فإن أولى من غدق « 1 » به أمر البريد المنصور ، وأضيفت إليه أمر التقدمة على فرسانه الذين يسابقون البروق اللامعة في الديجور « 2 » ، من قدمت خدمته في الدولة القاهرة ، وساق في مهماته الشريفة فشخصت لسيره وسراه عيون النجوم الزاهرة ، وقطع المسافة في وقت تقصر عنه فيها الطيور الطائرة ، كم تألّق برق دجنة فسبقه في شق جيب الظلام ، وأتى في مهم ، فبلغ الغاية قبل وصول خبره على أجنحة الحمام .
يكاد من السرعة يأتي ، وما جف ختم كتابه ، ولا ارتسم ظله على الأرض ، ولا اعتقل الخيال بركابه ، وتحمل من أسرار الملوك مشافهات ، لم يبدها من القلم لسان ، وأدى فيها الأمانة التي لم ، وكان المجلس السامي الأميري السيفي قجا الصالحي هو الذي تضمنته هذه الإشارة ، ومن ربا ذكره نفح عبير هذه العبارة ، وعلى شخصه دلت هذه الأدلّة ، وعليه وقع اختيار هذه الإمارة .
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي أن يرتب مقدما على جماعة البريدية الشاميين ؛ عوضا عمن كان بها ، على عادة ابن الفراء « 3 » لما كان أمير عشرة ؛ لأنه نصل تجرّع العدو منه الغصة لما تجرّد ، وأصل تفرع بالمحاسن وبالمزايا تفرّد ، قد عرف الأيام وخبرها ، ودرب الأمور ودبرها ، وقطع مفاوز المباشرات وعبرها .
فليباشر ذلك مباشرة من مارس هذه الوظيفة طول عمره ، ولم يركن إلى زيد الزمان ولا عمره ، وليرتب الجماعة نوبا يتدالون الخدمة ، ويختر لكل شغل بريديا يكون في ذلك
هامش
( 1 ) غدق : الماء « الغدق » بفتحتين الكثير ، وقد « غدقت » عين الماء أي غزرت وبابه طرف . قال تعالىوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[ الجن : 16 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 291 ) .
( 2 ) الديجور : الظلام وليلة ديجور مظلمة والدجه بوزن الحج شدة الظلمة وفي الحديث « هؤلاء الداج » وليسوا بالحاج قيل الداج الأعوان والمكارون والدجاج معروف قال جرير : ( انظر : مختار الصحاح :
1 / 127 ) .لما تذكرت بالديرين أرقني * صوت الدجاج وضرب بالنواقيس( 3 ) ابن الفراء هو : محمد بن محمد بن الحسين أبو حازم بن الفراء المعروف بابن أبي يعلى فقيه حنبلي من أهل بغداد ولد سنة 457 ه ، وتوفي سنة 527 ه ، من كتبه : « التبصرة في الخلاف » و « رؤوس السائل » و « شرح مختصر الغرقى » . وهو أخو سميه المكني بأبي الحسين ( محمد بن محمد ) المتوفي سنة 526 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 1 / 160 ، وشذرات الذهب : 4 / 82 ، والذيل على طبقات الحنابلة : 1 / 220 ) .