تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وأول أمره كان من جملة البريدية ، وكان فيه حذق ومعرفة وخبرة ، فجهز الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - بمشافهة فيها قوة وغلظة إلى الأمير علاء الدين الطنبغا نائب حلب ، فبلغه المشافهة بعبارة فجّة مؤلمة ، فبقيت في قلب الطنبغا ، ولما جاء نائب الشام أراد أذاه ، فقطع خبزه وتهدده ، وكان قجا رجلا ، فسعى في إصلاح أمره ، وسكنت القضية . ولم يزل على حاله في جملة البريدية ، إلى أن جاءت واقعة بيبغاروس ، فاحتاج الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى المطالعة بأمره ، فكتب مطالعة ، واستنجد بالمصريين في سرعة إنجاده ، وندب سيف الدين قجا في التوجه بالمطالعة فتوجه بها ، وكان ذلك مهمّا كبيرا فجاء قجا ، وقد أعطي إمرة عشرة ، ثم إنه أخذ تقدمة البريدية ، وأخذ في الترامي إلى الأمير سيف الدين صرغتمش والانتماء إليه . فلما كان السلطان الملك الصالح صالح بدمشق أعطي طبلخاناة ، وتحدّث في أمر شد زرع وطفس وإربد ، ثم إنه توجه في أواخر سنة خمس وخمسين وسبعمائة إلى مصر ، وأثبت محاضر بوقفية زرع وطفس وإربد ، وأنه هو مشدها ، وأبطل من كان فيها مباشرا ، واستخدم غيرهم . وزادت عظمته ، ووجاهته وتسلّطه ، إلى أن مات - رحمه اللّه تعالى - في وسط عزّه . وكتبت له توقيعا بتقدمة البريدية ؛ عوضا عن ناصر الدين محمد بن القرايلي ، لما توفي إلى - رحمة اللّه تعالى - في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة ارتجالا من رأس القلم ، وهو : « أما بعد حمد اللّه على نعمه التي جردت من أولياء هذه الدولة القاهرة سيفا ، ومنعت بجده جنفا « 1 » من الأيام التي زادت خطبا وحيفا ، وجمعت بمضائه من المصالح ما كانت الأطماع لا تؤمل أن تراه طيفا ، وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه الذين نصروا حزبه ، وتظاهروا على قمع عداه ، فحازوا من المعالي أرفع رتبه ، وتضافروا على اتباع هداه ، فلم يكن بين الكواكب وبينهم نسبه ، صلاة يملأ البر بريدها ، ويكاثر موج البحر عديدها ، ما تقعقع من البريد لجام ، وزعزع من المهمات ريح تثير السحب السجام ، وسلامه إلى يوم الدين .
هامش
( 1 ) الجنف : الميل ، وقد جنف من باب طرب ومنه قوله تعالى :فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ[ البقرة : 182 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 74 ) .
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 49 | خليل الصفدي