تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوات الوفيات والذيل عليها — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
ومرح العصفور ، فاطلع من التمراد « 1 » ، وقد ظفر بالمراد ، فنظر إلى أقاحيه ، تفتر في نواحيه ، وإلى البهار ، يضاحك شمس النهار ، فجعل يلثم من ورده خدودا ، ويهصر من أغصانه قدودا ، ويقتبس النار ، من الجلنار ، ويلتمس العقيق ، من الشقيق ، فغرد ثملا ، وغنّى خفيفا ورملا ، بأطيب من نفحته المسكية ، وأعطر من رائحته الذكية ، مع أني وإن أهديته في كل أوان ، عن أداء ما يجب عليّ غير وان ، أعدّ نفسي السكيت اللاحق « 2 » ، لما يجب عليّ من الحق ، فعثرت « 3 » ، وجهدت فما أثرت ، فأنا بحمد اللّه في حال خمول وقنوع ، وجناب عن غير الغير ممنوع ، فارقت المتوّج بأزال « 4 » ، ولزمت الخمول والاعتزال ، سعيي سعي الجاهد ، وعيشي عيش الزاهد ، ببلد : الأديب فيه غريب ، والأريب كالمريب ، إن تكلم استثقل ، وإن سكت استقلل ، منازله كبيوت العناكب ، ومعيشته كعجالة الراكب ، فهو كما قال أبو تمام حيث قال « 5 » :
أرض الفلاحة لو أتاها جرول * أعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا لم آتها من أيّ باب جئتها * إلّا حسبت بيوتها أجداثا تصدا بها الأفهام بعد صقالها * وتردّ ذكران العقول إناثا أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي * فيها وطلقت السرور ثلاثا
وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد ، فما حال أم تسعة من الولد ؟ ذكور ، كأنهم عقبان وكور ، اخترم منهم ثمانية ، وهي على التاسع حانية ، نادى النذير في البادية : يا للعادية يا للعادية ، فلما سمعت الداعي ، ورأت الخيل وهي سواعي ، جعلت تنادي ولدها الأناة الأناة ، وهو ينادي القناة القناة :
هامش
( 1 ) التمراد : بيت صغير يجعل في بيت الحمام لمبيضه . ( 2 ) ياقوت : السكيت في السبق . ( 3 ) ياقوت : أثرت فعثرت . ( 4 ) ياقوت : فارقت المثول ولا أزال ؛ وأزال هي صنعاء . ( 5 ) ديوان أبي تمام 1 : 325 .