رحم اللّه جميعهم ، ثم إن هذا السيد لا زال يترقّى في الصّلاح إلى أن صار يرى جده نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، ويتلقى منه أسرارا ، وفي صبيحة كل رؤيا يعمل كرامة يتصدق بها على الفقراء والمساكين ، وآخر رؤية رآها قرب موته قصّها على ابنه السيد الخير الفاضل سيدي الحاج حمدة بأنه لما رآه صلّى اللّه عليه وسلم قال له : ادع لي يا رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه وسلم :
« ادع أنت ونحن نؤمن فألهمه اللّه أن بسط كفيه ودعى لأمته بالصلاح فأمن صلّى اللّه عليه وسلم على دعائه » .
وكان هذا السيد صوّاما قوّاما ، وكان إذا قيل في مجلسه : فضول من الكلام ينهى القائل أو يقوم من المجلس وما يكون في مجلسه إلا ذكر المعارف وأحوال الآخرة ، وما هو مرغوب في أسباب حصوله ، وما هو منهي عنه أو معجزات النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما له عند اللّه سبحانه من الكرامة أو ذكر الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، أو مناقب الأولياء رضي اللّه عن جميعهم وأما غير ذلك فلا .
وقد كنت أتيته يوم عيد الأضحى كعادتي لتقبيل يده آخر عام تسعة وثمانين ومائتين وألف ، فعانقني وذرفت عيناه وقال لي : مللت هذه الدنيا واشتقت إلى لقاء الحبيب ، فإن الدنيا نعيمها يفنى والآخرة نعيمها لا يفنى ، فكاشف على موته بهذا ، ومات قريبا وذلك غرة شهر صفر الخير عام تسعين ومائتين وألف . وهذا آخر الاجتماع به . ودفن بزاوية جده سيدي علي العواني ورثيته بمرثية مؤرخة فقلت :
ألا هل نعيم لا يؤول إلى السلب ؟ * بدار العنا عنها استحالتها تنبي
فأين الأولى من شيدوا الفخر والبنا * ومن بالآلاف يحسب في الحرب
ومن كان ذا نفع بعلم وصيته * به سارت الركبان في الشرق والغرب
ومن كان في داجي الدّجى متهجّدا * به قد سقاه اللّه من أعذب الشرب
ومن كان بالفكر القويم موفقا * عليه مدار الرأي في الناس كالقطب
ومن كان في تقواه للّه مخلصا * كهذا السري ياقوتة ضم في الترب
وذاك أبو مروان أورع من يرى * بدنياه في التصريف عن خطأ الكسب
تجلى له في القلب نور فأصبحت * بصيرته مفتوحة لسنا القرب
فسلم في الفاني وأقبل مقتف * لآثار أجداد من المورد العذب
فأوقاته ذكر وحفظ معارف * بتحقيقها مما تسطر في الكتب
وإني لما جئت في العيد قال لي : * سئمت حياتي بالتشوق للحب