فليس لي عمل إلا اعتقادي * وحبي فيك يا خير مرجو بمغتنم
عليك صلّى إله العرش ما عبقت * بنورها روضة عطرية النسم
فلما أتممت إنشادها إن لم تكن وفيت بثنائك ، ومحبتك إن شاء اللّه مرامك بلغت ، ثم لما زرت أبت لبلدي فبعد سنين جاء أبو عبد اللّه المترجم له إلى تونس ، ومنها إلى القيروان ، وأقام عندنا سنة كاملة ، ورحل إلى تونس في كفالة ابن شيخه السيد العلامة كبير أهل الشّورى بالحاضرة سيدي محمد بيرم ، وذلك سنة سبعين ومائتين وألف ، فأرسل لي يطلب مني القصيدة المحجلة التي لسيد محمد بن التهامي الأنصاري الرباطي ، كلها لغة وحشية على أنه تعلق بها غرض شيخ الإسلام المذكور ، وأمرني بتقريض القصيدة بعد نسخها وطالع القصيدة المذكورة :
مسحت في الإدلاج كل خيفق * برا بسبسب بباق سملق
وحبت كل طاسم سمهدر * متزد موسر واسع المخترق
يغتال غيلان الفلا عن سند * شناضه مستمسك بالأفق
إلى أن تخلص فيها لمدح النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولمدح الصّحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، وهي طنّانة ، وكلها بوحشي اللغة وأجاد فيها الغاية الكبيرة فنسختها وقلت مقرضا في آخرها : ما أحسن هذا النظم الفائق المزري بزهر الحدائق ، لقد حلّاه بالغرائب فكر مصيب ، أنزل المعاني الشوارد من معاقلها تتوارد ، فاستقرت بأبياتها ، وانتظمت بعد شتاتها ، فأسس لها المباني وجملها بالمعاني ، وفاق الأوائل والأواخر ، وإنها لحرية بقول القائل :
كم قد زكى فرع على أصل وكم * ترك المآثر أول للآخر
كما يقول العبد الفقير :
أكرم به من ناظم ما له * في صنعه مثل فيا للعجب
أغرب ذا عرب مستجمعا * من جامع الألفاظ حتى انسكب
أتى بها حسناء قد لاحظت * كعبا بمعنى لفظها المنتخب
ولو رأى ذو النّهى نسجها * لنسخوا أحرفها بالذّهب
يهدي سلافا خلكم سيدي * إليكم والكاتب نعم المحب