208 - أبو عبد اللّه محمد بن حسّونة بن نصر القيرواني المجاور في لحده لسيد الأولين والآخرين نبينا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
قلت في الديباجة : سري متجمل بالآداب ، وله في حفظه أنفس لباب ، يرى منه ما يستطاب ، وصاحب اقتدار على ما يقوله في محاسن الأخيار ، وله فصاحة وجيزة ، ونفس عزيزة ، وله ملكة تستوعب ما يكون من غيره بالإشارة ، ولا يحوجه لتكليف العبارة ، له رحلة واسعة إلى البلاد الشاسعة ، حتى استقر آخر عمره إلى أن دفن بمدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ومدة إقامته بها حظي من أكابرها بخير قبول ، وبلغ من الارتياح في دنياه وسعادة أخراه ، غاية المأمول ، وفي رحلته اجتمع بأكابر من الصلحاء والعلماء والأدباء ، ورحلته بعد قضاء الفرض ، فنال من كل أوفر حظّ ، فخلص كالإبريز الحالي ، بجواهر ولئالي ، وأول أمره وهو مراهق لازمه والده كالصاحب معه في حضوره بالدرس في الروضة البلوية يقرأ على الشيخ أبي عبد اللّه محمد دحمان الغساني ، وعلى أبي محمد عبد اللّه البليش . ثم لما كبر ارتحل لتونس عام أربعة وثمانين ومائتين وألف . وقرأ بها على شيخ الإسلام سيدي محمد بيرم ، ومن خفة روحه وتقواه أن جعله كبنيه ، ثم ذهب إلى الحج والزيارة ، فلما قضى الوتر ، طاف ببعض جزيرة العرب إلى اليمن ، ثم بعدها إلى الشام ، ورأى جلّ أمصارها ، ثمّ إلى القسطنطينيّة ، ثم بعد ذلك العراق العربي ، وأقام ببغداد مدة بزاوية شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا سيدي عبد القادر الجيلي قدس اللّه سرّه ، ونفعنا ببركاته .
ومنها عبر على الحرمين وحجّ وأتى إلى القيروان ، ثم مكث يسيرا وسافر إلى الغرب واستقصى أكثر بلدان الواسطة ، ثم ذهب إلى فاس « 1 » ومراكش « 2 » [ ومكناس وغيرها كرباط الفتح وتطوان ] « 3 » إلى غيرها من البلدان . ثم رجع إلى تونس وأقام مدّة في كفالة شيخه المذكور ، ثم رجع إلى المدينة وجاور سنين وبعد سنة أو ثلاثة ، يحج واستقراره بالمدينة في كفالة الشيخ الفاضل والهمام الكامل النّحرير والعلم الشهير ، روض أزهار الأدب العطير من له في كل فن اقتناء غزير ، الرئيس ، والدر النفيس ،
هامش
( 1 ) فاس : مدينة تاريخية علمية أسسها المولى إدريس الثاني ( بالمغرب ) .
( 2 ) مراكش الحمراء مدينة أثرية مغربية تقع جنوب المغرب .
( 3 ) مدينة مكناس الإسماعيلية ، ورباط الفتح العاصمة حاليا ، وتطوان الواقعة في شمال المغرب .
كلها مدن مغربية .