عبد الجليل أفندي برادة كبير الكتبة بالحرم النبوي ، فلما حججت سنة خمس وستين ومائتين وألف قربني هذا الشيخ إلى المسامرة بأنسه لزعمه أني من أبناء جنسه بواسطة صاحبنا المترجم له ، وهذا من أخلاقهم الكريمة ، وطريقتهم المستقيمة ، فأضافني وساهرني فجرت بيننا مباحث في الأدب حتى قال لي : هل أنشأت شيئا في المدائح النبوية في زيارتك هاته إلى خير البرية ، فتحاشيت وانزويت فألحّ علي فقلت :
دع ما يؤمل في الدنيا من النعم * واعمل بجهدك قبل الموت والعدم
ولا يحزنك هذا الوقت حب فتى * وثق بخالقنا في كل ما ترم
وأخلص بحب لمن أنشاك متبعا * سبل الرشاد ودم بالشكر للنعم
فالموت في حبه عين الحياة فدع * عنك العلائق فاللذات لم تدم
لطالما سرت تيها في الهوى زمنا * فما ظفرت على شيء سوى الندم
والآن ضاقت بي الأحوال من أسف * وضاق ذرعي وصار الدمع كالديم
وليس لي ملجأ كلا ولست أرى * محجة وبها أنجو من النقم
إلا اعتمادي خير الخلق قاطبة * من يرتجي لجميع العرب والعجم
فهو الملاذ الذي ما مثله سند * وهو الشفيع ليوم الحشر للأمم
محمد سيد الرسل الكرام ومن * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
وخير داع وإن من قبله رسل * فإنه حاز قدما فضل سبقهم
وإنه سيد ما مثله بشر * ونظم أوصافه عنها يكل فمي
إني وإن رمت فيه المدح يبعدني * قصور باعي على أوصافه العظم
يا خير مأوى ويا من يستجار به * فمن يلوذ بكم في الهوى لم يضم
كن لي مجيرا فإني خضت بحر هوى * يرمي بموج من الأهواء ملتطم
بجاه صاحبك الصديق ثم أبي * حفص الرضى وكذا عثمان ذي الكرم
وجاه مفتاح أقفال العلوم ومن * هو المفرج عن الضيق للقسم
وجملة الآل والأصحاب من سبقت * لهم سعادة باري الخلق والنسم
أجر غريق هوى من كل فاضحة * تبدو بيوم غدا في الحشر للأمم
لم ينج منها امرؤ إلا سبقت * له العناية عند اللّه في القدم
ومن غدا فعله مثلي على خطر * لولا الشفاعة لا ينجو من النقم