ومنها : أنه أعطى يوما للبراح يبرّح يا من جبرشي مائة حمار بلا بعابص ، فجاء الخبر بعد أيّام قليلة ، أنه وقع حريق بسوق الشّوّاشيّة . وأحرق لهم أحمرة العود التي هي من أهبة الصنعة .
ومنها : لما وجه المرحوم المنعم الباشا محمد باش معلم يكسّر في المدافع التي كان أتى بها من تونس من الدولة التي قبله ، فباش معلم والصّنائعيّة « 1 » يفطر فيهم من عنده ، وجميع ما أخذه الباشا المذكور فما كان حبى به فعلى خروجه من داره لم يتغير بشيء وحالته كعادته .
ومنها : أنه وجه له ملك مصر الباشا عباس حضرة عجيبة مكلفة ، وهي الآن موجودة بضريحه . وقال حاملها من هناك : إن الباشا المذكور رآه بحضرته وقال له :
أنا فلان بالقيروان ، وطلب منه الحضرة ، ولقد كان أعطانا منارة ومحشة ، وأعطى كثيرا من الحوائج لغيرنا فقبل طلب الباشا محمد ما ذكرناه ، نبّه الشيخ على من أعطاه شيئا يدفعه له وقال : ماش « 2 » يأخذ صاحب الأمانة أمانته ، فجاء بعده الإذن في أخذ ما عنده ، وتكسير المدافع ورجوعها إلى تونس ، فلما أعطيناه المحشّة والمنارة قبل المحشة ولم يقبل المنارة وقال : المنارة لكم .
قلت : وإذا تتبعت بعض كرامات ومكاشفات هذا السيد الولي الصالح ، لرسمت تأليفا في حقه بالخصوص ، لكن في هذا القدر كفاية للتبرك .
ومات الشيخ بالليل في بيت وحده ، كموت الشيخ سيدي حسين العلاني ، وذكرت ذلك في ترجمته ولم يحضر لهما أحد ، وتوفي رحمه اللّه ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من رجب الفرد الأصب عام ثلاثة وسبعين ومائتين وألف . وصلّى عليه العلامة إمام الجامع الأعظم بالقيروان ، وباش مفتي بها أبو عبد اللّه محمد بالفتح صدام اليمني حفظه اللّه سبحانه وأبقى وجوده في الخير والهناء والعافية . ثم إن الصّلاة على الشيخ وقعت بمصلّى مقبرة باب سلم في جمع لا يحصى كثرة . ودفن صبيحة يوم الخميس بالقبة الصغرى الشرقية المفتح داخل القبة الكبرى الشرقية أيضا بمقربة من دار سكناه بربض عمشون ، أحد أرباض القيروان . وكثر ازدحام الناس
هامش
( 1 ) الصنائعية كلمة عامية : بمعنى الصّنّاع .
( 2 ) ماش : كلمة عامية بمعنى مهيأ لفعل الشيء .