يونس التميمي ، وسررنا بلقائه ، وطالما جرت بيننا مباحث حتى تفاوضنا في الأدب ، فأطربنا بكؤوس المسامرة ، وعاطر نفحاتها بيننا دائرة . ثم تباحثنا في حسن التخلص والختام . ومن هو المجيد فيها في سائر الأيام ، فأنشدنا موشحة له فأوقعت في النفوس موقعا عجيبا وقال لي : هل عندك شيء ؟ فأتي به مجيبا ، فأنشدته موشّحة لي ، فسلمها واستحسنها ثم طلبت منه نسخ موشحته فقال لي : لا تكتبها مني إلا بمثلين من كلامك وجرت بسببها فدالك « 1 » ، فأجبته لما طلب ، فكتبت منه الواحدة ، وكتب ما استوفى غرضه مني .
قلت : ولما كان الغرض من جمع هذه الموشّحات والمقصد جد أحببت أن أرسمها في هذا التأليف ، ولو كثروا عدّا فطالع موشحته :
الدهر فيه من عجائب * كم أعجز العقل والفكر
ما كل حدس تراه صائب * إن الليالي لها عبر
دور
كم عاقل جرّب الأمورا * وضلّ عن عقله السبب
ومعضل قد غدا سرورا * وكم رضى شابه الغضب
وكم قفار غدت قصورا * وشامخ القصر قد خرّب
بالعقل قد تتقى النوائب * لكن إذا ساعد القدر
إذا تكن قاري العواقب * فكن من الدهر عن حذر
دور
الدهر خصم لم يعاند * فسالم الخصم إن حكم
ولا تكن للهوى مساعد * وأصغ إلى الوعظ والحكم
واستعمل الصّدق في المواعد * واستعمل البرّ في القسم
ما أنت إلا من التّرائب * والصلب من مجمع الظهر
وربنا ما ارتضاك خائب * سواك من جملة البشر
هامش
( 1 ) فدالك ، وفدلكة يعنى بها حكاية ، وطرفة ، ولطيفة ، يؤتى بها في الكلام للتنشيط .