عليه ، وداروا بجنازته أسواق القيروان ولم ينفصلوا من دفنه من حلّ النافلة حتى بقي نصف ساعة للزوال ، ولقد كنت زرته قبل موته بأيام قليلة ، وعادته في حالة الصحة لا يحب من يقول له : اقرأ لي فاتحة ، ولما زرته بسط يديه وحده وقرأ لي فاتحة ودعى لي بخير . وأنا أرجو بركة ذلك بفضل اللّه سبحانه وتعالى ورحمة اللّه ورضوانه على هذا الشيخ وعلى جميع المسلمين آمين .
203 - أبو الحسن الشيخ علي بن قاسم الحليوي :
قال الشيخ عيسى : قلت في الديباجة : شيخنا روض الزّمان ، العابق بنشره بين الأعيان ، جاريا في حلبة فرسان الفنون ، وإن غاص بفكره يظفر بالجوهر المكنون ، هذا في المسامرة ، وأما في التدريس ؛ فكان هو الرئيس مكفوف البصر ، وإن جالسه من يقطع معه السهر ، يحصل ما يغني عن مكابدة النظر ، وله في السماع شوق شديد ، ومحبته في جده صادقة ، لا تبيد علومه نحويا انفرد في تحقيقه ، وسلك فيه أسهل طريقه ، لذا انتفعت به أفراد من حاضر وباد . وأما في علم المعاني والبيان فهو أعجوبة الزمان ، وإليه يشار بالبنان . وأما في المنطق فله اللسان القاطع لأهل الطغيان . وأما في الفقه فله ما يراد ، لعدم النظر عن النقل من مواد مشايخه ، وله إلى تونس الرحلة ، وبها كانت النّحلة . أولهم شيخه العلامة والمحقق الموفق من ملأ بعلومه ومعارفه النواحي ، الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي ، والإمام الشيخ الهمام الأفخم سيدي محمد بيرم ، والشيخ العارف الزاهد سيدي أحمد الأبي ، والشيخ العلامة سيدي محمد المناعي ، والشيخ العالم النّحرير سيدي محمد البحري ، ثم لما آب لبلده اجتهد في التعليم ، وتخرج عليه جماعة منهم : قاضي وقتنا الشيخ العلامة المدرس الخطيب الإمام أبو الفلاح صالح الجودي ، والشيخ العالم الخير الفاضل المفتي أبو محمد حمودة صدام اليمني ، والأنجب الفقيه النبيه الفاضل حمدة ابن الشيخ المرحوم القاضي أبي عبد اللّه محمد بوراس وغيرهم . ومؤلف هذا قرأ عليه جل الشيخ الأشموني على الألفية ، وكانت لي معه مسامرة بالليل في مدة كثيرة .
وحفظت منه في المسامرة ما دارت به المحاضرة من أبحاث شتّى وذلك في مجلس الشيخ أبي محمد حمودة صدام المذكور ، واجتمعنا بأفراد في المجلس المذكور ، وفدوا إلينا من الحاضرة منهم : الشيخ أعجوبة الزمان أبو عبد اللّه الحاج محمد بن