ومنها في يوم عيد قلت للشيخ العالم القاضي أبي الفلاح صالح الجودي رافقني أقبل وإياك على الشيخ فامتنع وأبى ، فما زلت ألاطفه حتى تسخر . فلما حللنا بين يديه قبلت أنا أولا ، فلم يكن منه شيء إلي . فلما أراد الشيخ المذكور التقبيل عليه قال له : حدّك هناك يا شيخ ، فلا تقبل فخجل الشيخ من كلامه فوقفنا أمامه هنيئة ثم قال له الشيخ صالح : الفاتحة يا سيدي ، فقال له الشيخ : نعطيك فاتحة تصلي بها في الجامع الكبير . ثم انصرفنا من عنده . وبعد أيام قليلة ولّى الشيخ صالح إماما بالجامع الأعظم في صلوات الخمس خليفة عن الإمام . فكان هذا مكاشفتين :
الأولى : امتناعه من التقبيل عليه لإنكاره وامتناعه .
والثانية : مكاشفة له على تولية الإمامة .
ومنها ما أخبرني به الشيخ المذكور قال : لما وجه الباشا أحمد هديّة مع المرعى محمد بروطة فجعل الشيخ بداره مبيتة جمع فيها جميع القرّاء ، واستدعى أعيان الناس ومن جملتهم : الشيخ صالح المذكور ، فامتلأت الزاوية بالناس ، والمرير الذي تجاه باب الزاوية حتى لا يجد أحد أن يسلك إلى الدخول إلى الدار ، والشيخ ببيته جالس على عادته ، فنادى خديمه الشيخ مبروك وقال له : اخرج أدخل الشيخ صالح فإنه جاء . قال الشيخ صالح : فبمجرد ما وصلت وإذا الحاج مبروك خارج ويحيد في الناس وقال له : إن الشيخ أرسلني إليك قال : إنه جاء ، فأخرج فأدخله وفسح له في العبور قال : فمسك بيدي وأدخلني إليه فأجلسني الشيخ بجنبه وفرح بي والناس يقرءون في القرآن العظيم فقال لي : يا ولدي ما بعد كلام اللّه شيء . قال الشيخ : فاشتاقت نفسي لنشوق النفة فلم يكن لي تأدبا معه ، فتناول الشّيخ حقّا مخبأة عنده فحلها وقال لي : خذ نف من يدي ما عليك قال : فمكثت مدة ، وطلبت منه الفاتحة فقرأها لي وخرجت .
قلت : هذه مكاشفتان :
الأولى : خروج الحاج مبروك إليه بإذنه ، وقوله : إنه جاء .
والثانية : مكاشفة له على تحاشيه منه على النّفة .
ومنها : أن جماعة جاءت تزوره فيهم رجل مجنب فقال لهم : يا فاعلين كذا وشتمهم تأتون إلي وفيكم رجل مجنب بنجاسته .
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان — صفحة 192
مساهمون: محمد بن صالح الكناني
ص١٩٢