جهارا ، وجاء إلى الولد ورقّاه فها هو قائم على قدميه وعوفي من ذلك ، فطلب الطعام فقالت أمه : الآن ثمانية أيام لم يأكل شيئا ، كما وجدت بخطه أنه قال :
خاطبت سالم الشافعي الكعبي الكسابي على نصيب من العسل فوعدني ولم يتمم الوعد ، فبعد مدة قليلة أتى به إلى الزاوية في سلة أيضا مصاب بالجنون وفي شدة كبيرة . وقال أهله تكلم على فيه الجان وقال : أنا رعية سيدي محمد بن عبد المؤمن ما نذهب عنه إلا ما يمشي لمحل شيخنا ويرضي أهل المحل ، فأتوا بالعسل وكل خير معه وعمل زردة ، وصار منسوبا على الشيخ لما برى وعافاه اللّه سبحانه وإلى الآن لم يقع له ما ذكر . وتواتر الخبر عن الشيخ أنه يفك المصاب ، وصار الناس يزورونه وما يرجعون لمحلاتهم إلا على حالة طيبة بعد الإصابة من البادية والحاضرة ذكورا ، وإناثا ، صغارا ، وكبارا ، ويقولون : نشاهد الجنون في المحل عيانا ، وأكثر ذلك ليلة الخميس . قال الشيخ رمضان المذكور : وسمعته يقول : بئر الزاوية بئر الشفاء ، ونافع لكل داء . قال : وجرب فصح قال : ويوم انتقاله حضرت معي جماعة وهو في سكرات الموت يقرءون سورة ( يس ) فلما وصلوا إلى قوله تعالى :
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
[ يس : 27 ] وقف النفس ونجز رحمه اللّه فقالوا : مات فعارضتهم وقلت لهم الأموات يفتحون أعينهم وأفواههم وهو ما كان منه ذلك ، فقل لي : محبّنا سيّ « 1 » محمد العلاني : ليس هو كغيره ، لأنه ولي صالح والبركة فيمن بقي . وقال الشيخ رمضان أيضا : ولما انتقل والدي وخرجنا للعزاء ، فبعد ساعتين دخلت إليه مع أناس لنجرده من ثيابه ، ففتحنا البيت ، فشممنا رائحة كثيرة طيبة ، فجاء الليل وقرأ القراءات ختمة ، والدار مملوءة بالنساء وأنا مع رجال بالسقيفة ، فنظرت لوسط الدار ، وإذا بطيور نازلين إلى البيت أفواجا أفواجا فرق بعد فرق يتناوبون في الدخول والخروج ، فظننت أني رأيت ذلك وحدي ، فإذا النساء يولولن لما شاهدوها ، وأن الطير الواحد قدر القفّة الكبرى ، وإنها بيض ، وذلك اللّيل كلّه . إلى أن دخل الغاسل فأخذتني سنة وإذا بوالدي واقف عليّ يقول لي : لا تخلّي « 2 » النساء يصرخن ، ولا يبكين ، ولا يحزن أحد علي ، وغدا لما تفرغ من دفني احلق رأسك وأخرجوني من الدار بالزّغاريد . قال : ولما قضيت من الجنازة حلقت رأسي كما
هامش
( 1 ) سي كلمة مختصرة عند العوّام وتعني : « سيدي » .
( 2 ) لا تخلّي : كلمة عامية بمعنى لا تترك النساء .