سقطت لك في أي محل في سفرك ناد علي وأنا أردها لدابتك ، فحين وصل إلى عين مذاكر ، وهي مرحلة ونصف على القيروان ، سقطت الصفيحة واحتار ودعى على الشيخ بما يكره مستبعدا لما قاله له ، فنظر فإذا هو أمامه فقال له : ها أنا جئتك فلم تدعو علي ورد له الصفيحة للدابة وقال : اشتر لي رطل كيف « 1 » من تونس وآت به لحانوتي لما تأتي .
وحدثني الشيخ رمضان بن عبد المؤمن ناقلا عن والده ، أن الشيخ قال لوالده :
نحبّ نتعشّى عندك أنا والشيخ المعيلل فقال له : على الرّحب والسّعة ، فمشى الشيخ عبد المؤمن إلى داره ، وهيّأ له ما تيسّر من الطّعام وترجاه إلى بعد صلاة العشاء بمدة ولم يأت ، فأكل من الطعام شيئا وبقي أكثره ، وأغلق البيت ورقد ثم بعد ذلك رآه خارجا من الخزانة هو وصاحبه المعيلل بعد ما أكلا من الطعام وقالا له : لقد أكلنا فلما جئته صباحا حدثني بما كان منهما .
وحدثني المذكور ناقلا عن والده المذكور قال : وقع مرض الجدري بالقيروان ، وأضرّ بالناس ، فجاءني الشيخ وأخذ بيدي ، فذهبت معه حتى وصلنا لبرج المدافع ، فعمّر المدافع بالملح ، وتوجه لجبانة الغرباء ، وبقي يخاصم في نفسه على رحول المحلة ، وأطلق المدافع . قال : فسمعت رغاء الإبل ، ثم رجع بي ، فبينما نحن بالطريق سألنا رجل فقال : لأيّ شيء هذه المدافع أطلقت ؟ فأجابه الشيخ : بأنه لا علم لنا بها ، ثم رفع الجدري على الناس من ذلك اليوم . قال المذكور : وأخبرني والدي أنه حضر وفاته فقال له : الدعاء عند قبري مستجاب ، وما وقف عليه شقيّ إلا يصير سعيدا ومات رحمه اللّه بالقيروان .
147 - الشيخ سعيد الجليزي :
كان رحمه اللّه تعالى في الطريقة الشاذلية ، وإذا قام للحضرة يسمع صدره كالرّحى ، وتقع له غيبة عن الناس ، وحضور كامل في الذّكر حتى أنّ الرّائي له ، يلحقه بالسّلف الأول ، وكان الشيخ العالم أبو عبد اللّه محمد دحمان شيخ الطريقة الشاذلية يحبه أكثر من غيره من المريدين رحمه اللّه .
هامش
( 1 ) الكيف : الحشيش .