فأخلص نيّته ورمى بنفسه فجاء واقفا على ثوب الشيخ وليس به ضرر . وقال :
وحدثني من نثق به أيضا قال : كنت سافرت من القيروان إلى بلد بالشط ، بقصد شراء الدخان « 1 » قال : فدخلتها واشتريت جانبا كثيرا وجعلته في حصر واكتريت عنه في البحر لبد الحمامات ، وركبت أنا في البحر فجاء طريقي على بلد سليمان فدخلت قهوتها وقلت للقهواجي هات قهوة فأشعرت إلا والرجل الذي بجانبي ضربني بكف قوي على خدي فقمت ورفعت كانونا « 2 » من القهوة « 3 » . وأردت أن أضرب به الرجل الذي ضربني بالكفّ ، فتعرض لي من كان بالقهوة وقال لي : ذلك الشيخ سيدي صالح بو علة ، فخاطبني وناداني باسمي وقال فيه اللطف ، أحمد اللّه على اللّطف فقلت : الحمد للّه وبردت نفسي ، ثم إني ذهبت لبلد الحمّامات ، فوجد المركب قد انكسر على الشط ، ووجدت حصر الدخان لم يبتل منها شيء حتى حصيرة . وحصل لطف اللّه ، والحمد للّه فعند ذلك تفكرت ما بيني وبين الشيخ وعددتها كرامة له .
قلت : ومن كراماته أخبرني ثقة ، أن رجلين من الجريد سمعا بما اشتهر به من الكرامات فأتياه زائرين فوجداه بالقهوة التي تجاه السقني بتركينة منها ، فلما رأيا حاله حقراه وكأنهما لم يصدقا السماع برؤيته على تلك الحالة وقالا في ضميرهما : إن الذي جئنا إليه هو هذا فكاشف الشيخ عليهما ومدّ ذراعه فاهتزت حيطان القهوة والتفت إليهما وقال لهما : وعزة ربي ذراعي هذا حامل المشرق والمغرب .
قال الحربي : توفي رحمه اللّه تعالى ليلة يوم السبت السادس عشر من جمادى الثانية عام تسعة وعشرين ومائتين وألف . ودفن بداره بربض زواغة ، وعليه قبة متحفة جليلة المقدار ، عليها أنوار مشرقة وجلالة عظيمة .
125 - أبو النخبة الشيخ مصطفى بن محرز الوحيشي :
قال الحربي : قد تقدّم أنه قرأ على عمه الشيخ القاضي أبي محمد حمودة « 4 » الوحيشي المتقدم الذكر ، وكان رحمه اللّه رجلا صالحا ، فقيها ، متعبّدا ، ورعا ، زاهدا ، ملازما الصلوات الخمس بالجامع الأعظم في الجماعة ، ولا يصلّي إلا مأموما له ، اعتناء بقراءة صحيح الإمام الحافظ الحجّة أبي عبد اللّه
هامش
( 1 ) الدخان : السجائر .
( 2 ) كانونا : موقدا .
( 3 ) القهوة : المقهى .
( 4 ) ترجم برقم 111 .