وطلبوا معافاته ، فما رجعوا من ضريحه إلا معافى كما أخبرني من ذكر أن جماعة سرقوا له من الحمام ما قدروا عليه ، فلما أرادوا الخروج لم يجدوا الباب ووجدوا محله بناء ، فبقوا محصورين ، فلما تابوا وردوا الحمام لمحله وجدوا الباب كأصله وخرجوا . كما أخبرني أيضا أنّ الأمين الحاج محمد مدر كان كل يوم يأتيه الشيخ فيأخذ له نصف رطل فطائر ، فجاءه يوما على عادته والأمين عنده قلق فامتنع من العادة التي يعطيها له فأخذ عمامة بشاشيّتها من فوق رأسه ورماها بأرض وقال له : يا فرطاس « 1 » وذهب عنه فتغير الأمين المذكور وذهب يشتكي به إلى الشيخ سيدي أبي يوسف يعقوب الدهماني رضي اللّه عنه ، ونفعنا به آمين . فلما جلس أمام التابوت ، وأراد أن يشكو فإذا الشيخ سيدي سعد بجانبه واقف وقال له : جئت تشكي وأنا ما فعلت معك شيئا من العيب غير أني بتّ أحرسك ليلة البارحة كلها من السموم إلى الآن فاكشف على بطنك فكشف فوجد في سوريته هائشة « 2 » خامدة ، فقبّل يده وقال له : لا تؤاخذني يا سيدي ، ورجع هو وإياه إلى المدينة ، كما أخبرني أيضا ونقلت أيضا من غيره ؛ أن شيخا من دريد مات وترك ابنه مراهقا فرغب فيه أولاد عرشه وشيخوه ثم أعرضوا عنه واتفقوا على غيره وهم نازلون إذ ذاك بنواحي القيروان ، فلما رأت أمه اتفاق جماعته على عزله ، استعملت في هدية وقالت : نزور القيروان وفيها الأولياء ، لعلّ أن أجد من يكاشفني عن مرادي ويهنيني بمقصودي في بقاء ولدي في وظيفة نعطيه الهدية ، فتوجهت ، فلما وصلت لباب البلد تلقاها الشيخ وذهب بها وبولدها وبالدواب إلى داره ، ثم أخذ بيد الولد ومعه أمه ودخل المدينة ودار في أسواقها وهو كالعبد بيد السمسار وينادي عليه ، وآخر الطواف به أتى إلى فندق العجم بالحدادين وقال له : أنا أوليتك على هذا الفندق فسرّت بذلك أمّه ، وسلمت الهدية إليه ، وذهبت إلى نزلتها فجاء وقت حفلة دريد وساروا إلى تونس ، فلما مثلوا بين يدي المنعم المرحوم حمودة باشا ابن المرحوم علي باشا اصفقوا على عزله وتولية من اتفقوا عليه على كلمة واحدة ، فنظر الباشا إلى الابن ، وأراد عزله فنطق بولايته وإبقائه عليهم ، وجاء خارجا الولد فألحّت الجماعة في استعطاف الباشا عليهم في عزله فقال : ردوه فنظر إليه يريد العزل فصرح بالولاية . وهكذا الثالثة وفيها
هامش
( 1 ) فرطاس : تطلق عادة على الحروف الذي ليس له قرنان .
( 2 ) الهائش ، أو الهيشة تطلق بالعامية على الحيوان الضخم .