وكيف لا وهو خطب حين صبحنا * أذاب أكبادنا حقا وأضنانا
فيا له حادث تبكي العلوم له * كذاك بقاع الأرض تبعانا
وذلك الخطب فقد الشيخ قدوتنا * إمامنا من غدا في الدهر مولانا
أعني بذاك الذي أحيا معالمنا * بحر العلوم محمد بن غريانا
يبكي البخاري ويبكي عنه مختصر * وحق تبكي علوم النحو أزمانا
لهفي على علم من فقده حزنت * شيوخ أرضي لنا كهلا وشبانا
تبكي عليه بقاع القيروان كما * تبكي عليه محاريب وأركانا
والفقه يبكي عليه عند نقلته * ومنطق ومعان ثم ميزانا
تاللّه ما سمعت أذناي بعدك من * يتلو البخاري ترتيلا وإتقانا
ومذ فقدناك قد ضاقت مسالكنا * وإن ذكرناك عمّ الدمع إنسانا
حقا عليه وتبكي القيروان دما * وليت يجدي نحيب عند إبكانا
ما الدمع يغني ، ولكن تلك حرقتنا * واللّه يعلم أن القلب حيرانا
من بعد فقدك من يلقي العلوم ومن * يحرّر الفهم تدقيقا وإذعانا
ألا إلى اللّه هذا الخطب قد عظمت * به المصائب إسرارا وإعلانا
الصبر أجمل إن عمّ المصاب بنا * هذا الذي قد قضاه اللّه مولانا
فما دهاني شيء مثل فقدك مع * ما انزاح من درسكم أهل وإخوانا
مصيبتان توالت تلو بعضهما * بعضا يذيبان أكبادا وأركانا
فاللّه يجعله ذخرا لآخرتنا * إذ طالما كان ذا نفع لأولانا
واللّه يغمره عفوا ومغفرة * واللّه يجزيه بالإحسان إحسانا
بجاه سيدنا أقوى وسيلتنا * ما غرّد الطير تسبيحا وألحانا
113 - أبو عبد اللّه محمد ابن الفقيه أبي العباس أحمد جاب اللّه من أحفاد الشيخ سيدي أبي القاسم بن خلف :
كان فقيها ، أديبا ، يجالس الفقهاء الفخام في وقته ، ويباحث معهم ، وكانت جرت له خصومة مع النجار ، فنظم هاته القصيدة يلغز فيها بالشكاية للشيخ العالم المفتي أبي عبد اللّه محمد الطوير كبير المفاتي بوقته بالقيروان وهي :
يا أيها الحبر من شاعت محاسنه * ما بين علم وأحكام وتبيان